السؤال:

إبَّان أزمة الخليج التي جرت على الأمة ما جرت من الكوارث المادية والمعنوية، أثيرت بعض قضايا لم تحسم من الناحية الشرعية التي تهمنا نحن المسلمين الحريصين على تحكيم الإسلام في كل شؤوننا.
ومن هذه القضايا: قضية عدالة توزيع الثروة العربية بين البلاد الغنية القليلة السكان، والبلاد الفقيرة الكثيفة السكان، وقد كانت هذه كلمة حق أريد بها باطل، فإن الذي قالها لم يوزع شيئًا من ثروة بلاده الطائلة والضخمة على البلاد الفقيرة، بل أنفقها في حرب جيرانه من العرب والمسلمين.
ولكن الذي أسأل عنه هنا: ما أثاره بعض الإخوة في الصحف من وجوب الزكاة في النفط أو في عائداته – باعتباره “ركازًا” – وفي الركاز الخمس، كما هو مذهب أبي حنيفة. على أن يؤخذ هذا الخمس (20%) من العائدات، من بلاد النفط الغنية لينفق على إخوانهم في الدول الفقيرة، فيحقق هذا بعض العدالة المنشودة بين الأغنياء والفقراء، كما قال تعالى في توزع الفيء: (كيلا يكون دُولَة بين الأغنياء منكم). (الحشر: 7).
فهل هذا القول صحيح من الناحية الشرعية؟ فقد رأيت من علماء الدين من أنكرها، وهل إذا وجبت الزكاة تنفق في داخل البلاد النفطية أم في خارجها؟.
نرجو توضيح القضية في ضوء الأدلة من الكتاب والسنة.
حفظكم الله ونفع بكم.

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد:.
مما لا خلاف فيه أن الزكاة تجب في النفط أو في عائداته إذا كان مملوكًا ملكية خاصة، سواءً كان ملكًا لأفراد أم لشركات.
وقد اختلف الفقهاء هنا في مقدار الواجب في الزكاة: أهو ربع العشر أي 2.5 % أم الخمس؟ أي عشرون بالمائة (20%).
والذي أرجحه في ذلك هو المذهب الثاني، الذي يوجب الخمس في النفط ونحوه باعتباره ركازًا، وقد صح الحديث أن “في الركاز الخمس” (متفق عليه من حديث أبي هريرة). وهو مذهب أبي حنيفة وأبي عبيد وغيرهما.
(انظر في ذلك: كتابنا: فقه الزكاة 1/436).
ولكن الخلاف هنا يأتي في النفط الذي يكون مملوكًا للدولة؟ فهل يكون وعاءً للزكاة؟ وبعبارة أخرى: هل تجب فيه الزكاة كما لو كان مملوكًا خاصًا؟.
لم أر أحدًا من علماء الفقه في عصرنا قال بذلك، ولكن ذهب إلى ذلك بعض إخواننا من الباحثين الاقتصاديين المعنيين بالاقتصاد الإسلامي.
وقد أثار ذلك بعضهم في المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي سنة (1976م) الذي انعقد في مكة المكرمة بدعوة من جامعة الملك عبد العزيز – رددت عليه حينذاك، وأيدني الفقهاء المشاركون في المؤتمر.
كما ناقشت ذلك منذ سنين على صفحات كتابي “الاجتهاد في الشريعة الإسلامية” في معرض النقد لبعض الاجتهادات المعاصرة التي تتجاوز “الإجماع” الثابت.
وفيه ناقشت ما ذهب إليه الأستاذان: الدكتور شوقي إسماعيل شحاته، والدكتور محمد شوقي الفنجري، من وجوب الزكاة في أموال النفط “البترول” مما تملكه الحكومات الإسلامية، في بلاد الخليج وغيرها. وهو بمقدار الخمس، بناءً على أنه ركاز.
أما أن النفط ونحوه من المعادن ركاز، وأن في الركاز الخمس، فهو ما رجحته ودللت عليه، في كتابي: “فقه الزكاة”.
ولكن وجوب الخمس فيه إنما يتجه إذا كان يملكه أفراد أو شركات، فهنا يؤخذ منه الخمس ويصرف مصارف الزكاة على ما رجحناه.
أما إذا كان ملك الدولة، فشأنه شأن كل أموال الدولة، وهذه لا زكاة فيها بالإجماع، وسر ذلك يرد إلى عدة أمور:.
أولاً: أن الزكاة فرع المِلْك ولهذا أضيفت الأموال إلى مالكيها في مثل قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) (التوبة: 103). وقوله -صلى الله عليه وسلم-: “أدوا زكاة أموالكم”. ومال الدولة ليس ملك رئيس الدولة ولا وزير المالية، ولا غيرهما، حتى يطالب بتزكيته وتطهير نفسه بإخراج حق الله فيه.
ثانيًا: أن من أخرج الزكاة من ماله – ربع العشر أو نصف العشر أو العشر أو الخمس – طاب له الاستمتاع بالباقي ولا حرج عليه، إلا أن يطَّوَّع أو تأتي حاجة عامة أو خاصة. وهنا في مال النفط لا يكفي أن تخرج الحكومة مقدار الزكاة منه، وإن قدرناه بالخمس على ما هو المختار عندنا، إذ لا بد من صرفه كله في مصالح المسلمين، ومنها مصالح الفقراء والمساكين وغيرها من الفئات المحتاجة. بل هي في مقدمة المصالح المنصوص عليها في مصارف الفيء والمساكين (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم). (الحشر: 7).
ثالثًا: إن الدولة هي المأمورة بأخذ الزكاة (خذ من أموالهم) فكيف تأخذ من نفسها وتصبح آخذا ومأخوذا منه في وقت واحد؟.
أنا أعرف أن الدوافع إلى هذا القول دوافع خيرة، وهي محاولة التغلب على أوضاع التجزئة الحالية التي تعانيها الأمة الإسلامية، بحيث تجعل بعض الدول أو الدويلات الصغيرة الحجم، القليلة السكان، التي منّ الله عليها بالنفط في أرضها، تملك المليارات من الدراهم أو الدنانير أو الريالات، تغص بها خزائن البنوك الأجنبية، على حين ترى بلادًا إسلامية أخرى، كثيفة بالسكان، قليلة الموارد، تهددها المجاعات، وينشب فيها الفقر أنيابه، ويغدو أبناؤها من ضحايا الجوع فرائس سهلة لدعاة التنصير والشيوعية، على نحو ما قال بعض السلف: إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك!.
فأراد هؤلاء الإخوة الباحثون في الاقتصاد الإسلامي أن يحتالوا على هذه الأوضاع القائمة التي لا يقرها الإسلام، فذهبوا إلى وجوب الزكاة في النفط باعتباره “ركازًا”. وفي الركاز الخمس، وما دامت هذه زكاة فإنها ترد على فقراء الإقليم ومصالحه أولاً وفق المنهج الإسلامي في التوزيع المحلي. وما زاد عن حاجة الإقليم يوزع على الأقاليم الإسلامية الأخرى: الأقرب فالأقرب، أو الأحوج فالأحوج.
ولو كانت الخلافة الإسلامية قائمة، والبلاد الإسلامية موحدة تحت رايتها كما كان الأمر من قبل، ما قالوا هذا القول، ولا ظهر هذا الاجتهاد أصلاً ولا كانت هناك حاجة إليه.
ورأيي أن القول بوجوب تزكية “النفط” لا يحل مشكلة التجزئة الإسلامية القائمة، ولا يترتب عليه بالضرورة حل مشكلات البلاد الفقيرة من العالم الإسلامي.
حتى لو فرضنا أن الدولة النفطية أخذت بهذا القول: أن في النفط الذي تملكه الدولة حقًا، وأنه الخمس لا ربع العشر، وأنه يصرف مصرف الزكاة لا مصرف الفيء. فمن يضمن ألا تنفق حصيلة هذا على الفقراء الإقليم ومصالحة الاجتماعية والعسكرية وخصوصًا إذا قيل: إن تسليح الجيوش والإنفاق عليها من “سبيل الله” وهو أحد مصارف الزكاة؟ وعندئذ لا يبقى للمسلمين الآخرين شيء أو يبقى لهم الفتات.
وأولى من هذا في رأيي، أن تعلن الحقائق الإسلامية الأساسية واضحة، وهي: أن المسلمين – مهما اختلفت أوطانهم – أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناها، وهم متكافلون في العسر. واليسر، متعاونون على البر والتقوى. ولا يجوز أن يعاني بلد إسلامي الفقر والمرض والجوع، وهناك بلد أو بلاد إسلامية أخرى تنفق على الكماليات آلاف الملايين، ولديها من الاحتياطي مئات البلايين!.
كما لا يجوز أن يتحمل بلد إسلامي محدود عبء الجهاد ونفقاته الطائلة ضد أعدائه وأعداء الإسلام. على حين تقف الدول الإسلامية الغنية موقف المتفرج، دون أن تؤدي فريضة الجهاد بالمال، كما توجبه أخوة الإسلام.
وما قاله الفقهاء من ملكية النفط ونحوه من الموارد “للإمام ” لا يعني حاكم الدولة الإقليمية، وإنما يعني السلطة الشرعية للدولة الإسلامية الموحدة تحت راية العقيدة الواحدة، والشريعة الواحدة، وهذا يعني أن هذا المال ليس ملكًا لمجموعة معينة من الناس دون سواهم، بل ملك للأمة المسلمة والمسلمين حيثما كانت مواقعهم في دار الإسلام ا.هـ (من كتابنا: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، نشر دار القلم، الكويت).
هذا ما قلته منذ نحو عشر سنوات، ولا زلت أؤكد اليوم، من وجوب التكافل والتعاون بين البلاد الإسلامية بعضها وبعض، فهو فريضة دينية، وضرورة قومية، فلا يجوز أن يستأثر الأغنياء بفضل الثروة وحدهم، ويدعوا إخوانهم في الأقطار الفقيرة يعانون الفقر والمرض والجوع.. وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: “ليس منا من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع” وهذا ينطبق على الجماعات كما ينطبق على الأفراد.
ولا بأس أن يحدد ما تدفعه البلاد الغنية للبلاد الفقيرة بالخمس (20%) – قياسًا على ما هو الواجب على الأفراد في “الركاز”.
وقد رأينا مجلس التعاون الخليجي بعد حرب الخليج وأزمة الكويت، يعلن عن إنشاء صندوق لهذا الغرض، تساهم فيه كل دول المجلس، وأملنا ألا يكون هذا رد فعل للأزمة يتبخر بعد حين. كما نرجو أن يقوى هذا الصندوق وتتسع حصيلته، ويأخذ طريقه إلى حيز التنفيذ، ولا تتغلب الأنانية الإقليمية الضيقة، التي لا تقرها أحكام الدين، ولا مصلحة الدنيا، والتي لا تخدم في النهاية إلا أعداء الإسلام، وأعداء العروبة، وأعداء التحرر والتقدم لأوطاننا، والتي تجعل الكيانات الإقليمية الممزقة كلها لقمة سائغة في فم هؤلاء الأعداء الماكرين.
وبالله التوفيق.