السؤال:

هل الرضاعة في الكبر تحرم الزواج بين الرضيع ومن أرضعه؟ وهل ما ورد في قصة سالم أنه رضع وهو كبير من السيدة سهلة.... هل هذه القصة صحيحة؟ فبعض الناس يرى أن هذه القصة لا بد أن يحكم عليها بالبطلان حتى وإن جاءت في البخاري مسلم، فما رأيكم في هذا؟

الجواب:

…عمدة القائلين بأن الرضاعة تحرم ولو في الكبر:حديث عائشة وأم سلمة المشهور في قصة سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة بن عتبة ومولاهما سالم،والذي أخرجه الشيخان وأصحاب السنن والمصنفات والمسانيد.

ففي صحيح مسلم،عن عائشة قالت:جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:يا رسول الله،إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، ـ وهو حليفه ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:أرضعيه قالت:وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:قد علمت أنه رجل كبير[1].

وفي رواية أخرى لمسلم عن عائشة أيضا:”أن سالما مولى أبي حذيفة،كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم،فأتت (تعني ابنة سهيل) النبي صلى الله عليه وسلم،فقالت:إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال،وعقل ما عقلوا، وأنه يدخل علينا،وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا.فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:أرضعيه تحرمي عليه،ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت،فقالت:إني قد أرضعته.فذهب الذي في نفس أبي حذيفة[2].

ولم يكن سالم بالنسبة لأبي حذيفة وأهله مجرد شخص أو حليف يعيش معهم في بيتهم،بل كان يعد واحدا منهم،وابنا لهم،إذ كان أبو حذيفة قد تبناه في الجاهلية،واعتبر ابنا له سنين عددا،حتى أبطل الإسلام التبني،وقد بينت ذلك أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ في رواية لها عند البخاري والبرقاني وأبي داود والبهيقي وغيرهم.

فروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها:أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ـ وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم ـ تبنى سالما ـ وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة،وهو مولى لامرأة من الأنصار،كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيدا،وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه،حتى أنزل الله:{ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله،فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}سورة الأحزاب:4 فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين،فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري ـ وهي امرأة ابي حذيفة بن عتبة ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقالت:يا رسول الله،إنا كنا نرى سالما ولدا،وقد أنزل الله فيه ما قد علمت.. فذكر الحديث[3].

قال الحافظ ابن حجر في “الفتح”:ساق بقيته البرقاني وأبو داود “فكيف ترى؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أرضعيه.فأرضعته خمس رضعات،فكان بمنـزلة ولدها من الرضاعة”[4].

فبذلك كانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها ـ وإن كان كبيرا ـ خمس رضعات ثم يدخل عليها،وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم،أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد[5].

وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أم سلمة:أن أم سلمة قالت لعائشة:إنه يدخل عليك الغلام الأيفع “أي الذي قارب البلوغ”الذي ما أحب أن يدخل علي…فقالت عائشة:أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم،أسوة؟وذكرت قصة امراة أبي حذيفة[6].

وفي مسلم أيضا عن زينب:أن أمها أم سلمة ـ زوج النبي صلى الله عليه وسلم ـ كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم،أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة وقلن لعائشة:والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم،لسالم خاصة،فما هو بداخل علينا أحد ـ بهذه الرضاعة ـ ولا رائينا”.

وهذا ـ أي حمل الحديث على الخصوصية لسالم ـ هو أحد المخارج من هذا الحديثالذي جاء مخالفا لما دلت عليه الدلائل التي سقناها من قبل: أن الرضاعة المؤثرة ما كانت في وقت الصغر وتكوين اللحم والعظم.وحكى الإمام الخطابي عن عامة أهل العلم:أنهم حملوا الأمر في ذلك على أحد وجهين:إما على الخصوص وإما على النسخ،ونحوه عن ابن المنذر.

وقد تعقبت دعوى النسخ بأنه متوقف على معرفة التاريخ.على أن قولها للنبي صلى الله عليه وسلم:كيف أرضعه وهو رجل كبير؟،دالّ على تأخره عما دل على اعتبار الصغر.فلم يبق إلا أنها واقعة عين توقف على محلها.

ودافع بعض العلماء عن عائشة بأن الأصل عدم الخصوصية،والتخصيص يفتقر إلى دليل وأين هو؟.

وأجيب:إن الدليل هو الآية والأحاديث والآثار التي قيدت الرضاعة بما كان في الحولين وفي الثدي ـ أي وقت حاجة الرضيع إليه، واستغنائه به،وهذا التأويل هو ما فهمته أم سلمة وسائر أمهات المؤمنين.يؤيد ذلك أن مباشرة الرجل الأجنبية ممنوعة قطعا بالإجماع.وهو حكم عام مستمر،فهذا أقوى من الحديث المذكور.فيتعين صحة اجتهاد أم سلمة ومن معها،وخطأ اجتهادها،رضي الله عنهن جميعا.

وقد تعرض القاضي عياض لدفع ما ذكر من المباشرة بأن سهلة لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها.

قال النووي:وهذا حسن،ويحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة،كما خص بالرضاعة مع الكبرأ.هـ[7].

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الرضاع يعتبر فيه الصغر،إلا فيما دعت إليه الحاجة،كرضاع الكبير الذي لا يستغى عن دخوله إلى المراة،ويشق احتجابها عنه،كحال سالم مع امراة أبي حذيفة،فيكون في مثله مؤثرا،وأما من عداه فلا بد من الصغر.وفي هذا جمع للأحاديث الواردة،والعمل بها مهما أمكن هو الواجب[8].

وأيد الإمام ابن القيم هذا المسلك لشيخه،وقال:والأحاديث النافية للرضاع في الكبر،إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة،أو عامة في الأحوال،فتخصص هذه الحال من عمومها،وهذا أولى من دعوى النسخ،ودعوى التخصيص لشخص بعينه،وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين وقواعد الشرع تشهد له[9].

قال العلامة الشوكاني في “نيل الوطار”:وهذا هو الراجح عندي،وبه يحصل الجمع بين الأحاديث،بأن تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم “إنما الرضاعة من المجاعة”ولا رضاع إلا في الحولين”…إلخ.وهذه طريق متوسطة بين طريقة من استدل بهذه الأحاديث على أن لا حكم لرضاع الكبير مطلقا،وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقا،كما لا يخلو عنه كل واحدة من هاتين الطريقتين من التعسف[10].

ولقد تناولت بعض الأقلام في بعض الصحف المصرية هذا الحديث وما فيه من إرضاع سهلة لسالم،منكرين له متهجمين على كل من رواه أو نشره، أواستشهد به في كتاب،وتطاولوا على فضيلة الشيخ سيد سابق لذكره هذا الحديث في كتابه “فقه السنة” سالكين هذا الحديث ضمن الموضوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم،إذ لا يعقل في نظرهم  أن يرضع رجل كبير من امرأة،وكيف يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ولها في ذلك؟وإذ لم يعقل ذلك،فالحديث مكذوب وإن ورد في البخاري ومسلم!!

ولا ريب أن الاجتراء على رد الأحاديث الثابتة بهذه السهولة،والتطاول على الأئمة الأعلام بمثل هذه الجرأة،بل الوقاحة،لا يتأتى من إنسان شم رائحة العلم،وعايش أهله أحياء في حلقاتهم،أو أمواتا في كتبهم.إنما هو شأن (الأدعياء) المتطفلين على موائد العلم وأهله،أو (الخطافين) المتسرعين المغرورين،الذين فقدوا فضيلة التواضع فلم يسألوا،وفقدوا خلق الأناة فلم يتثبتوا،وفقدوا أصالة العلم،فلم يتبينوا.

إن هذا الحديث لم يذكره كتاب ولا اثنان ولا ثلاثة،ولم يروه صحابي أو اثنان فحسب،ولا تابعي أو اثنان،إنه ـ كما قال الإمام ابن حزم ـ منقول نقل الكافة عن الكافة،ثم إنه حديث شغل الصحابة وأمهات المؤمنين منذ العصر الأول،وشغل التابعين وأتباع التابعين وأئمة الفقهاء من بعدهم،وقسمهم شطرين،شطر يؤيده ويأخذ بظاهره،ويرى الرضاع محرما في الصغر والكبر.

وشطر يتخذ منه موقفا آخر يتمثل في القول بالخصوصية لسالم،أو القول بأنه منسوخ،أو القول بأنه رخصة للحاجة.

قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار:

“هذا حديث قد رواه من الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل،وهي من المهاجرات وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم”.ورواه من التابعين:القاسم بن محمد،وعروة بن الزبير،وحميد بن نافع،ورواه عن هؤلاء الزهري،ثم رواه عن هؤلاء أيوب السختياني وسفيان الثوري،وسفيان بن عيينة وشعبة،ومالك وابن جريح،وشعيب ويونس وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال وغيرهم.وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع إليهم في أعصارهم،ثم رواه عنهم الجم الغفير والعدد الكثير،وقد قال بعض أهل العلم:إن هذه السنة بلغت طرقها نصاب التواتر.وقد استدل بذلك من قال إن إرضاع الكبير يثبت به التحريم.أ.هـ[11].

وأعتقد أن حديثا بهذه الدرجة من الصحة والقوة والشهرة التي جعلت بعض العلماء يبلغ به إلى مرتبة التواتر اليقني لا يجوز،في منطق العلم،وعرف العلماء ـ أن يتهور متهور،فيرمية بأنه حديث باطل أو مكذوب!!دون أن يكلف نفسه الرجوع إلى مصادر الحديث،ورأي علماء الأمة فيه،وكأنه نصب نفسه وحده حكما على الأمة كلها منذ عهد الصحابة إلى اليوم،فما قبله فهو المقبول،وما رفضه فهو المرفوض!

إن الاستهانة بالعلم وبالعقول إلى هذا الحد،أمر لا يقبل بحال.

 


الوسوم: