السؤال:

نرجو توضيح النُّصوص الواردة في فضيلة الصُّفوف الأولى للرّجال، والصفوف الأخيرة للنِّساء في صلاة الجماعة.

الجواب:

روى البخاري وغيره أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “خير صفوف الرِّجال أوَّلُها وشرُّها آخرُها، وخيرُ صفوف النِّساء آخرُها وشرُّها أوّلُها”، وروى البخاري وغيره أن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ قال: “لو يعلمُ الناسُ ما في الأذان والصَّفِّ الأولِ ثُمّ لم يجِدوا إلّا أن يَسْتهِمُوا عليه لاستَهمُوا” أي لو يعلم الناس ثوابَ الصف الأول لحكَّموا القُرعة بينهم عند كثرة مَن يرغَبون فيه. وروى مسلم وغيره أنه قال: “ألا تَصفُّون كما تُصفُّ الملائكة عند ربِّها”؟ قلنا: يا رسول الله كيف تُصفُّ الملائكة عند ربِّها؟ فقال “يُتمّون الصفَّ الأول ويتراصُّون في الصفّ”. وروى أحمد بإسناد جيد أنه قال: “إن الله وملائكته يُصَلُّون على الصفِّ الأوّل” وصلاة الله رحمة وصلاة الملائكة استغفار، وروى مسلم وغيره أنه قال: “لِيَلِنى منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونَهم، ثم الذين يلونَهم”. وروى أحمد وأبو داود عن أنس قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُحب أن يَليَه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه.
تدلُّ هذه الأحاديث على فضل الصفوف الأولى للرجال في صلاة الجماعة، وعلى فضل الصفوف الأخيرة للنِّساء، وعلى أفضليّة الصفّ الأول من هذه الصفوف، وعلى أفضليّة أن تكون الصفوف الأولى من ذوى العقول المُستنيرة والمتفقِّهين في الدِّين.
والحكمة في كون هؤلاء أولى بالصُّفوف الأولى تَظهر في أمور، منها:

1- أنَّهم أقدر على الأخذ والفَهم لما يقول الرسول ويفعله، وأقدر على تعليم غيرهم ما تعلّموه منه.

2- أنهم يستطيعون تنبيهَه إذا حدث ما يدعو إلى التنبيه، أو الفتح عليه عند التوقّف عن القراءة.

3- أنهم أولى بالإمامة إذا أراد الإمام استخلاف أحد لعذر من الأعذار.
والحكمة في جعل النساء في الصفوف الخلفيّة تظهر في أمور، منها:
1 ـ أن المرأة ليست في مستوى الرجال، وبخاصّة أولو الأحلام والنُّهى فيما يتميّزون به ممّا سبق ذكره.
2 ـ أن تقدُّمها أمام الرجال فيه صورة إمامتها لهم، وهي ممنوعة باتّفاق الأئمة.
3 ـ أنها تشغَل الرِّجال عن الخشوع في الصلاة بمجرّد وجودها أمامهم، وذلك أمر طبيعي وعند ركوعها وسجودها يكون الانشغال أشدَّ، وهو ما يُفسَّر به حديث قطع المرأة للصلاة إذا مرّت أمام المصلِّي عند جمهور الفقهاء.
4 ـ ألا تختلط صفوف الرّجال بالنساء إذا تخلَّلن صفوفَهم، فيكون انصرافهن بعد انتهاء الصلاة أيسرَ، وكان من المأثور أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لا ينصرِف عقب الصلاة مباشرة، بل ينتظر هو وأصحابُه حتّى ينصرِفَ النّساء أولاً.
هذا، وكان من المتَّبع في ترتيب الصفوف في الجماعة أن يكون الرجال في الصفوف الأولى ثم يَليهم الصِّبيان ثم يَليهم النساء، كما رواه أحمد. وتوسّط الصبيان فيه شدّة حَيطة من انشغال الرجال بالنساء، فمن الجائز أن بعض مَن في الصفّ الذي يليه صف النساء إذا ركع لمح بنظره بعض النساء، ولا شكَّ أن الخشوع في الصلاة أساس قَبولِها كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ المُؤمنونَ. الذينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (سورة المؤمنون : 1،2).