السؤال:

تعلمون جيدا ما يقوم به شباب الحركة الإسلامية من رحلات ترفيهية بين الحين والآخر، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة أحدثت جدلا كبيرا بين صفوف الحركة، ألا وهي ظاهرة الرحلات المختلطة ، وبخاصة عند تناول الطعام الكل يجلس على منضدة واحدة رجالا ونساء، ويتبادلون أطراف الحديث ويتجاذبونه، هذا يرد على تلك وهذه ترفع صوتها على هذا، وبعضهم يستضحك الباقين على إحدى الأخوات، وهي تسضحك الباقين على أحد الإخوة وتتعالى الضحكات، وتؤخذ الانطباعات لدى الطرفين ، كل عن الآخر، هذا مثقف، وهذا متخلف، وهذا ولد شيك، وده ولد حبوب، ودي أخت ثقافتها ضحلة، وليس عندها تقبل للآخر، وهذه أخت معقدة نفسيا يبدو أنها تعاني الأمرين مع زوجها.....وهكذا   وهذه الصورة من التعامل أثارت جدلا واسعا كما قلت في صفوف الملتزمين، بين منكر لهذه الصورة حيث عدها اختلاطا محظورا، وبين مدافع عنها متهما المنكرين بالتخلف والتراجع واعتناق فكر متشدد لا يدرك طبيعة الإسلام، ولا يفهم كيف كان النبي يكلم النساء مطلق النساء ولا كيف كان الصحابة مختلطين بالنساء وهكذا، فهل هذا الصورة حلال أم حرام، أم أنها لا تباح بإطلاق ولا تحرم بإطلاق ؟   أرجو الإجابة الشافية الكافية الشامل، ولا أريد إجابة تقليدية تذكر ضوابط الاختلاط المعروفة ، بل الإجابة التي تتناول المسألة من وجهة شرعية واجتماعية ونفسية مدعمة بأدلة واضحة: تاريخية وشرعية ومقاصدية.....الخوجزاكم الله خيرا   

الجواب:

بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لابد من أن نقرر بدءا أن الرحلات المختلطة في جو أسري جائز شرعا، وليس فيها ما يحظر من حيث الأصل، ولقد أخذ أبناء الحركة على أنفسهم ردحا من الزمن أن تشددوا في قضية الاختلاط، حتى إن أحدهم ليقبل أن يرى زوجته غيرُ المتدين – حسب فهم أبناء الحركة للتدين -، أما أخوه صاحب الخلق الرفيع فهذا يحرم عليه أن يرى زوجته بحجابها الشرعي، وخلق أحكام خاصة لمجتمع الملتزمين هو بدعة يجب أن تنزع إن كان السلوك مبنيا على تبنيها حكما شرعيا، أما إن كان اختيارا شخصيا فلا بأس؛ لأن الله تعالى ما أوجب على الرجل أن يطلع زوجته على الأجانب، ولكن فرق بين الاعتقاد بالحكم وبين الاختيار الشخصي.

 

و لسنا هنا في مقام الحديث عن حكم الاختلاط عامة، غير أنه من المهم أن يشار إلى أن انتشار جملة ” الاختلاط حرام”، غير صحيحة، فالاختلاط ليس حراما من باب الإطلاق، بل إن المجتمع المسلم بطبعه مجتمع مختلط مع ما تسوده من عفة وطهارة، ونفهم هذا من خلال قراءة السيرة النبوية والعصر الراشد، مع عدم وجود نص شرعي يحرم الاختلاط في حد ذاته.

 

أما عن الرحلات المختلطة بين أبناء الحركة بالوصف المذكور في السؤال من تبادل الضحكات واستضحكاك البعض على البعض ، ووصف البعض للآخر بمثل هذا الوصف فهو منهي عنه شرعا؛ ولكن ليس لذات الرحلات المختلطة؛ لأن الرحلات المختلطة من حيث التكييف الشرعي لا يمكن الحكم بحرمتها مطلقا، ولكن الحرمة تستند على ما يلي :

 

أن الاختلاط المذكور هو نوع من الابتذال الذي تذوب معه الفوارق، وترفع معه الحجب، مما يكون ضرره أكثر من نفعه؛ إذ يترتب عليه اتباع الهوى، والنظرة المحرمة، والاستلطاف بين أبناء الحركات شبابا وفتيات، مما قد ينشأ عنه علاقة خاصة بين شاب وفتاة، في غير مظلة الزواج، وهو بلا شك حرام شرعا .

أن مثل هذه الحوارات فيها إنقاص للغير، وسخرية الأخ من أخيه، والأخت من أختها، والأخت من أخيها، والأخ من أخته، وهو محرم بنص القرآن الكريم :( ياأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات : 11

أن مثل هذه التعليقات والتصرفات مما يوغر الصدور بين الإخوة، إذ ليس مقصودها محمودا، وهو نزع من الشيطان منهي عنه، ويدل على النهي قوله تعالى : (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) الإسراء : 53

وورد النهي في السنة عن أن يتكلم الرجل الكلمة لا لشيء إلا ليضحك بها الناس، ولكنه يتناسى ما قد تحدثه من أثر سيئ على المتحدث عنه، من ذلك ما ورد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوى بها سبعين خريفا في النار.” رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم. وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري وغيره :”إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم.” وقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين :”  إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب.

 أنه بناء على فقه المصالح والمفاسد، فمثل هذه الرحلات بهذا الشكل المذكور ضررها يغلب نفعها، وكما هو مقرر في القواعد الفقهية ” الضرر يزال” و ” درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”.

6-       وأنه بناء على فقه المقاصد، فإن مقصود الترويح يعد من التحسينيات، أما الحفاظ على الدين فهو من الضروريات، فيقدم الضروري على التحسيني اتفاقا .

أن هذه الرحلات بهذا الشكل المذكور في السؤال فيها من الأضرار الاجتماعية والنفسية ما يدركه كل عاقل متجرد عن الهوى، ولا ينفي الحرمة هنا كون أصحاب الرحلة من أبناء الحركة.

 

غير أن هذا لا يعني إطلاق الحكم بالحرمة في الرحلات المختلطة، بل لابد من وضع الضوابط والتزام آداب الإسلام في الاختلاط، فمطلوب تغليب العفاف والاحترام المتبادل، فلا بأس ساعتها من الطعام على مائدة واحدة، أو الخروج للتنزه في شكل عائلي، يحترم كل أخ فيه الآخرين، وقد قال سلمان لأم الدرداء في حديث البخاري ” مالي أراك مبتذلة”، يعني غير مهتمة بثيابك، وقد كان الحديث أمام زوجها، غير أن الحديث بروح الأخوة وحرص الأخ على أخيه وزوجته شيء، وبين صحبة الشباب المبتذلة ولو كان من أبناء الحركة شيء آخر.

 

ومن الواجب أن نتعامل مع تلك المتغيرات خاصة مع شباب الحركة بشكل متجرد، رجوعا إلى النصوص الشرعية؛ حفاظا على الثوابت، ومرونة مع المتغيرات، وأن يكون الخوف من مقام تحريم الحلال كما هو التخوف من مقام تحليل الحرام.

والله أعلم.