السؤال:

سمعنا أنه في بعض البلاد يمتنع بعض الرجال عن جماع زوجاتهم إلا بعد أن يدعن لهم مالا مقابل ذلك، حتى  اضطرت إحداهن للاقتراض وسجنت لأنها لم تستطع الوفاء ، فما رأيكم في ذلك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

فهذا الذي يفعله بعض الأزواج لا يمت للدين ولا للشهامة والرجولة بصلة، فحق الاستمتاع للزوجين حق مكفول شرعا لا يحق لأحدهما المساومة عليه ولا ابتزاز الطرف الآخر من أجله، لأنه حق في طرف وواجب على الطرف الآخر فلا يجوز أن تمتنع المرأة عن زوجها ولا الزوج عن زوجته إلا في حالة الاضطرار.

يقول الشيخ حامد العطار الباحث الشرعي بموقع إسلام أون لاين:

لقد شرع الله الزواج حتى يتحصن كل طرف بصاحبه ، فقد خلق الله الرجل يميل إلى المرأة والمرأة تميل إلى الرجل ، ولا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يحصل السكن إلا باجتماعهما معا… هذا الاجتماع لا يستغني عنه غني ولا فقير، ولا تستغني عنه غنية ولا نسيبة ولا حسيبة، ورحم الله تلك الأعرابية التي جلست توصي ابنتها ليلة زفافها : “أي بنية لو استغنت امرأة عن زوج بفضل مال أبيها لكنت أغنى الناس عن ذلك، ولكن للرجال خلقنا كما خلقوا لنا .”

 

وليس الهدف من تشريع النكاح أن يجتمع الرجال والنساء اجتماعا شكليا في البيوت ليكونوا أنماطا اجتماعية على أي حال، ولكن أن يجتمعوا على الحب والمودة ليتحقق الأنس والسكن، ومن هنا أوجب الله تعالى أن تكون هذه العشرة بالمعروف، فأمر أن تكون العشرة بالمعروف فقال : ” وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”النساء 19 . وأمر أن يعطي الرجال حقوقهن بالمعروف فقال : ” وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”النساء 25. وإذا استحالت الحياة ولم يستطع أن يمسك زوجته بالمعروف ليطلقها بالمعروف، فقال تعالى: “فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ”.

 

ومن مقتضيات هذا المعروف أن يوفر كل طرف لصاحبه ما لا يستطيع أن يوفره لنفسه، وعلى رأس هذا : الإمتاع الجنسي، فالطبخ والكنس والغسل وجمع المال يحسنه كل أحد، والرجل قبل الزواج لم يكن يعيش بغير هذا،ويبقى للزوج حاجة لا يحسنها إلا زوجته ، وللزوجة حاجة لا يحسنها إلا زوجها، ذلك هو الإمتاع الجنسي.

 

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن حاجة الرجل إلى الجنس طافحة إلى الحد الذي لا يحتاج معها إلى إيجاب شرعي، فاكتفوا بهذا عن الإيجاب، ورهنوا مصير زوجته بحاجته ( وهم الأحناف والشافعية) إلا أن قواعد الشريعة تأبى هذا،يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :”….وإن كان من الفقهاء من لا يوجب عليه الوطء وقسم الابتداء ; بل يكتفي بالباعث الطبيعي كمذهب أبي حنيفة  والشافعي ورواية عن أحمد ; فإن الصحيح من وجوه كثيرة : أنه يجب عليه الوطء كما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والاعتبار”.

 

والصحيح أن ذلك لا يتقدر بوقت ولا زمن؛ لأن هذا يختلف باختلاف الناس كالطعام والشراب، فالواجب الإشباع بحسب الحاجة ، وهذا مما يتفاوت فيه الناس، يقول شيخ الإسلام :

والصحيح الذي يدل عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف : أن ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر ; بل المرجع في ذلك إلى العرف كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} البقرة 228 .والسنة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم لهند {  خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف } وإذا تنازع الزوجان فيه فرض الحاكم ذلك باجتهاده . كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج بمرات معدودة ومن قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق فهو كتقدير الشافعي النفقة ; إذ كلاهما تحتاجه المرأة ويوجبه العقد . وتقدير ذلك ضعيف عند عامة الفقهاء بعيد عن معاني الكتاب والسنة والاعتبار”.

 

ومن منع صاحبه هذا الحق فما عاشره بالمعروف، ولا حقق معه معنى السكن، وأسوأ منه من صار يساوم صاحبه فلا يمنحه حقه إلا إذا أخذ منه إتاوة ظلما وابتزازا!!!

 

وعلى الزوجة إذا رأت من زوجها هذا السلوك المعوج أن تذكره بالله وتخوفه به ومنه ، قال الله تعالى : “ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ”  البقرة 232 .فإن لم يذكر مقام ربه بين يديه فلترفع أمرها للقضاء لينصفها منه،فيوقع عليه من العقوبة ما يزجره ويردع غيره، وصدق سيدنا عثمان – رضي الله عنه- حين قال : ” ” إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”

والله أعلم.