السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. .فضيلة الشيخ ..... اضطررت لرهن ذهبي لدى إحدى الصديقات مقابل مبلغ ثلاثة آلاف ريال اقترضتها منها على أن أسددها خمسمائة ريال شهريا..   وبعد أن سددت لها من المبلغ الذي اقترضته ألف وخمسمائة ريال اتصلت لتخبرني بأن الذهب قد سرق،وهي كاذبة..   وأنا حزينة جدا ؛ لأن هذا الذهب ورثته عن أمي – رحمها الله-  وقد كان عزيزا عليها ..... فماذا أفعل ، أنا أعرف أنها كاذبة وأنها طمعت في الذهب ، فما رأي الشرع في ذلك؟  

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

 الذي يظهر لنا أن نفتيك بما عليه مذهب الإمام مالك ، وهو أن ضمان هذا الذهب على المرتهن (أي صديقتك لا عليك) فهذا مذهب الإمام مالك ، وهو أن الرهن إذا كان بحوزة المرتهن ( الدائن)  وكان مما يمكن إخفاؤه ( مثل الحلي والثياب والنقود) ولم يكن عنده بينة تصدق دعواه… فإنه يضمنه، أي عليك أن تخصمي دينه من قيمة الحلي وتطالبيها بالباقي .

جاء في كتاب بداية المجتهد لابن رشد :

  ….ومن هذا الباب اختلافهم في الرهن يهلك عند المرتهن: ممن ضمانه؟ فقال قوم: الرهن أمانة وهو من الراهن، والقول قول المرتهن مع يمينه أنه ما فرط فيه وما جنى عليه، وممن قال بهذا القول الشافعي وأحمد وأبو ثور وجمهور أهل الحديث، وقال قوم الرهن من المرتهن ومصيبته منه، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وجمهور الكوفيين.

والذين قالوا بالضمان انقسموا قسمين:

فمنهم من رأى أن الرهن مضمون بالأقل من قيمته أو قيمة الدين، وبه قال أبو حنيفة وسفيان وجماعة.

ومنهم من قال: هو مضمون بقيمته قلت أو كثرت.

وأنه إن فضل للراهن شئ فوق دينه أخذه من المرتهن، وبه قال علي بن أبي طالب وعطاء وإسحاق.

وفرق قوم بين ما لا يغاب عليه مثل الحيوان والعقار مما لا يخفى هلاكه، وبين ما يغاب عليه من العروض، فقالوا: هو ضامن فيما يغاب عليه ومؤتمن فيما لا يغاب عليه.

وممن قال بهذا القول مالك والأوزاعي وعثمان البتي، إلا أن مالكا يقول: إذا شهد الشهود بهلاك ما يغاب عليه من غير تضييع ولا تفريط فإنه لا يضمن، وقال الأوزاعي وعثمان البتي: بل يضمن على كل حال قامت بينة أو لم تقم، وبقول مالك قال ابن القاسم،وبقول عثمان والأوزاعي قال أشهب.

وعمدة من جعله أمانة غير مضمونة حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: لا يغلق الرهن وهو ممن رهنه: له غنمه وعليه غرمه: أي له غلته وخراجه،وعليه افتكاكه ومصيبته منه.

قالوا: وقد رضي الراهن أمانته فأشبه المودع عنده.

وقال المزني من أصحاب الشافعي محتجا له: قد قال مالك ومن تابعه إن الحيوان وما ظهر هلاكه أمانة، فوجب أن يكون كله كذلك.

وقد قال أبو حنيفة: إن ما زاد من قيمة الرهن على قيمة الدين فهو أمانة فوجب أن يكون كله أمانة، ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام عند مالك ومن قال بقوله: وعليه غرمه أي نفقته.

قالوا :ومعنى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: الرهن مركوب ومحلوب أي أجرة ظهره لربه،ونفقته عليه.

وأما أبو حنيفة وأصحابه فتأولوا قوله عليه الصلاة والسلام: له غنمه وعليه غرمه أن غنمه ما فضل منه على الدين،وغرمه ما نقص.

وعمدة من رأى أنه مضمون من المرتهن أنه عين تعلق بها حق الاستيفاء ابتداء فوجب أن تسقط بتلفه، أصله تلف المبيع عند البائع إذا أمسكه حتى يستوفي الثمن، وهذا متفق عليه من الجمهور، وإن كان عند مالك كالرهن، وربما احتجوا بما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن رجلا ارتهن فرسا من رجل، فنفق في يده، فقال عليه الصلاة والسلام للمرتهن: ذهب حقك.

وأما تفريق مالك بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه فهو استحسان، ومعنى ذلك أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه………..ومعنى الاستحسان عند مالك هو جمع بين الأدلة المتعارضة، وإذا كان ذلك كذلك فليس هو قول بغير دليل.

والله أعلم.