السؤال:

أثار جدال داخل مجلس الشورى السعودية حول تغيير موعد العطلة الأسبوعية من الخميس والجمعة إلى الجمعة والسبت، من بين مؤيد للمصلحة العامة؛ لأن تعامل المصارف الدولي سيضيع على الاقتصاد يومين، ورافض بقوله "لا يجوز شرعا، كما أنه لا يتناسب مع العقيدة الإسلامية، معتبرين أن إجازة يومي الخميس والجمعة هي من الخصوصيات السعودية" فنرجو تفصيل الحكم في المسألة، وهل هذا مخالف للعقيدة، أو بدعة، أو تشبه بالكفار؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

 

أثار هذا الأمر عدة نقاط يجب الحديث فيها أولا قبل أي شيء:

 

أولا: مفهوم البدعة:

 

اتفق علماء الشريعة واللغة على أن البدعة في اللغة هي كل جديد استحدث بعد النبي-صلى الله عليه وسلم- والمحققون منهم يرون أن البدعة التي يدخل بها صاحبها النار هي التي تستحدث وتصطدم مع مقاصد الشريعة، وهذا هو الأقرب وإلا لما كان للمخترعات، أو للمستجدات التي تصلح للناس، وتيسر عليهم أمور حياتهم جدوى ولعاش الناس في قالب واحد مع إمكانية التطور للأحسن بما لا يصطدم مع الشرع.

 

يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في فتوى له على إسلام أون لين: “ليست البدعة كل ما استحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق، فقد استحدث المسلمون أشياء كثيرة لم تكن في عهده صلى الله عليه وسلم، ولم تُعَدّ بدعة، مثل استحداث عثمان أذانًا آخر يوم الجمعة بالزوراء لما كثر الناس، واتسعت المدينة.ومثل استحداثهم العلوم المختلفة وتدريسها في المساجد، مثل: علم الفقه، وعلم أصول الفقه، وعلم النحو والصرف، وعلوم اللغة والبلاغة، وكلها علوم لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما اقتضاها التطور، وفرضتها الحاجة، ولم تخرج عن مقاصد الشريعة، بل هي لخدمتها وتدور حول محورها.فما كان من الأعمال في إطار مقاصد الشريعة، لا يعد في البدعة المذمومة، وإن كانت صورته الجزئية لم تعهد في عهد النبوة، إذ لم تكن الحاجة إليه قائمة”أ.هـ.

 

ويقول الدكتور علي جمعة مفتي مصر في فتوى على موقع إسلام أون لين: “البدعة المنهي عنها في دين الله لها شرطان الأول: أن تكون حادثة لم تكن في الصدر الأول والثاني: أن تناقض أصلاًً من أصول الإسلام قرآنًاً أو حديثًاً نبويًّاً شريفًا،ً فإن كانت حادثة ولا تناقض أصلاًً فليست ببدعة؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين”، ولقد جاء الإسلام بالسَّعَة في بابَي الأذكار والتلاوة والأدعية، فالسنة في هذا السعة وليس الضيق على ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصدر الأول”أ.هـ

 

وجاء في كتاب بيان للناس للأزهر الشريف :”الشيء الجديد الذي يُنْتِج خيرًا على المستوى الفردي أو الجماعي، لا ينبغي أن نُسارع إلى إطلاق اسم البدعة عليه، والحكم بأنه ضلالة وفي النار، بل يجب أن ننظر أولاً إلى عدم وجود نص يمنعه، وإلى عدم وجود ضرَر فيه، ويُحكَم عليه بأصل الحِلِّ، وبما تَقَرَّر من أنه إذا وُجِدت المصلحة فثَمَّ شرع الله، وإذا أُطلِق اسم على هذا الشيء الجديد يُشبِه اسمًا دينيًّا فلننظر إلى المحتوى لا إلى القالَب الذي قد يكون من باب التشبيه الذي يُقْصَد فيه المعنى المجازي لا الحقيقي”أ.هـ

 

ثانيا: مفهوم التشبه والفرق بينه وبين الشبه:

 

وهناك فرق بين مجرد الشبه والتشبه فمجرد الشبه الذي لا يقصد من ورائه الإنسان أمر فلا شيء فيه، أما التشبه فهو المعنى لأنه يحمل معه الإصرار من الداخل على التقليد، فهو يحمل الوزر لتميز الشريعة الإسلامية، وكمالها.

 

فقد ثبت في الصحيحين : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لبس الجبة الرومية من أزياء الروم والبرد اليمنية، والطيالسة الكسروية من أزياء المجوس ولم يقصد تقليد القوم ، وإنما جيء بذلك فلبسه، ولم يقصد –صلى الله عليه وسلم- التقليد أو التشبه بهم.

 

جاء في فيض القدير للعلامة المناوي :” (ومن تشبه بقوم فهو منهم) أي حكمه حكمهم وذلك لأن كل معصية من المعاصي ميراث أمة من الأمم التي أهلكها اللّه” وفي موضع آخر قال :” (من تشبه بقوم) أي تزيا في ظاهره بزيهم وفي تعرفه بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم أي وكان التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر الباطن (فهو منهم) وقيل المعنى من تشبه بالصالحين وهو من أتباعهم يكرم كما يكرمون ومن تشبه بالفساق يهان ويخذل كهم، ومن وضع عليه علامة الشرف أكرم وإن لم يتحقق شرفه” أ.هـ 

 

من يتدبر كلام المناوي السابق في الفيض يجد أنه يركز على الفصل بين أمرين:

الأول: وهو لا يعنيه، ولا يدخله في الوعيد وهو مجرد الشبه.

أما الثاني: وهو ما يعنيه ويتحقق معه الوعيد فهو ما كان التشبه فيه بحق قد طابق فيه الظاهر الباطن.

 

والمعنى هنا أن الإنسان يقصد التشبه، ويعنيه ويرغب فيه فهنا يلحقه الإثم.

 

ثالثا: دواعي المصلحة وضوابطها:

 

المصلحة العامة للمسلمين مقدمة -بحق- على المصلحة الخاصة، وهناك شروط لهذه المصلحة منها أن تكون حقيقية غير وهمية، وأن تكون عامة ولا تخص أفرادا بعينهم، وكلية تتسم بشمولها، وغير متعارضة مع مصلحة أخرى، ولا تصطدم بمقاصد الشريعة العامة.

 

فإن كان تغيير اليوم سيحقق من المنافع ما سبق ذكره وكانت المعاملات المصرفية ستتضرر بصورة تصيب اقتصاد البلد بالشلل التام، أو غير ذلك فبها، وإلا فما الضرورة للتغيير.

 

رابعا: رأيي في الموضوع:

 

يتحدد الرأي بعد عرض ما سبق فيما يلي:

1-  لكل دولة خصوصيتها ولا يمكن التدخل في شئونها من أي فرد مهما كان أما إن طلب الاستفتاء في أمر فقهي فلا مانع من إبداء الرأي فيه مع تجرد من عرض نفسه للإفتاء من كل قيد.

2-     مسألة تغيير يوم العطلة من الأمور الدنيوية التي تخضع لظروف العصر وبما يحقق مصلحة المسلمين في هذا البلد.

3-  المصلحة يجب أن تكون للجميع وليس لفئة من الفئات، أو مفروضة من قوى خارجية، ومسألة أن المصارف تتعطل يومان فهذا ما يحكم به علماء الاقتصاد، وإن كنت أرى أن التعامل الدولي تحكمه ضوابط عدم الربوية، وغير ذلك من الأمور، كما أنه يمكن أن يتم التحويل في أربعة أمام ما تستطيع تحويله في خمس.

4-  ليس كما ورد في السؤال أن تغيير العطلة من أمور العقيدة، إلا إن كان القصد منه التشبه -بالمعنى الذي رصدناه عند المناوي- وتقليد الغرب، فيمنع تماما.

5-     أن مفهوم البدعة أضيق مما نعتقد، ولا يمكن اعتبار كل مستحدث بدعة إلا إن اصطدم بمقصد شرعي أصيل.

 

وعليه فإجمالا يمكن القول بأن تغيير اليوم لا شيء فيه إن لم يكن تقليدا للغرب، وجريا وراءهم، أو مفروضا منهم علينا قبوله مذعنين لأنه يصطدم مع السيادة والأعراف الدولية. كما لا يمكن القول ببدعيته؛ لأن اتخاذ يوم الخميس عطلة لم يكن واردا في قرآن ولا سنة، وكونه لا يتناسب مع العقيدة فليس هناك دليل ينهض به، أما أنه شعار دولة وخصوصية من خصوصياتها، فالدولة هي التي تقرر ذلك، ولها أن تتمسك به أو تفرط فيه، ولا دخل له بالحكم الشرعي.

 

والله أعلم.

ويمكنكم قراءة الفتوى التالية:
يوم الجمعة يوم عطلة شرعية