السؤال:

هل صحيح أن النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حَمَلَ طفلاً وهو يُصلِّي؟ وإذا كان صحيحًا فكيف تصحُّ الصلاة مع حَمْلِ النَّجاسة، وَغالب الأطفال ثيابهم نَجِسة؟

الجواب:

قال العلماء يشترط في صِحة الصلاة طهارة الثوْب والبَدَن والمكان، فلو حَمَل المصلي شيئًا نجسًا أو أَمْسك بشيء نَجِس وكان يتحرك بحَرَكتِهِ بطلت صلاته والحديث موضوع السؤال صحيح. ففي صحيح مسلم بشرح النووي “ج 5 ص 31” أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصلِّي وهو حاملٌ أُمَامَة بنت زينب بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأبي العاص بن الربيع. فإذا قام حَمَلَها وإذا سجد وضعها.
يقول النووي: فيه دليل لصِحة صلاة من حَمَلَ آدميًا أو حيوانًا طاهرًا من طَيْرٍ وشاة وغيرهما، وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة. وأن الأفعال إذا تعددت ولم تتوال بل تفرقت لا تبطل الصلاة، وفيه تواضع مع الصبيان وسائر الضعفة ورحمتهم ومُلاطفتهم.
ثم يقول: هذا يدُل لمذهب الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ ومن وافقه أنه يجوز حَمْلَ الصَّبي والصَّبية وغيرهما من الحيوان الطاهر في صلاة الفرض وصلاة النَّفل، ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمُنفرد وحَمَلَه أصحاب مالك ـ رضي الله عنه ـ على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة. وهذا التأويل فاسد؛ لأن قوله “يَؤم النَّاس” صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة وادَّعى بعضُ المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه خاص بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبعضهم أنه كان لضرورة وكُلُّ هذه الدعاوى باطلة ومردودة، فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يُخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر، وما في جوْفِه من النَّجاسة معفو عنه لكونه في معدته وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قَلَّت أو تفرقت.
وفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا به على هذه القواعد التي ذكرتها، وهذا يرد ما ادَّعاه الإمام أبو سليمان الخطابي أن هذا الفعل يشبه أن يكون بغير تعمُّد فَحَمَلَها في الصلاة لكونها كانت تتعلَّق به ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه، قال: ولا يُتوهم أنه حملها مرة بعد أخرى عمدًا؛ لأنه عمل كثير ويشغل القلب. هذا كلام الخطابي وهو باطل ودعوى مُجردة ومما يردها قوله في صحيح مسلم “فإذا قام حَمَلَها” وقوله: “فإذا رَفَعَ من السجود أعادها” … ثم انتهى النووي إلى قوله: إنَّ الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد فهو جائز لنا، وشرع مُسْتَمِر للمسلمين إلى يوم الدين.
هذا، ويلاحظ في كلام النووي أن المفروض في ثياب الطفل وبدنه الطهارة حتى تتحقق النَّجاسة ومعنى هذا أن النجاسة إذا تحققت لا يجوز حَمْلُها، وهو المعقول المُتفق مع قول العلماء باشتراط الطهارة للصلاة.
مع مراعاة هذا الرأي ينبغي ألا يستغل استغلالاً سيئًا بكثرة حمل الصبيان في الصلاة؛ لأن ذلك يشغل القلب عن الخشوع، فأرى أنه يكون عند الضرورة أو الحاجة، أي في حدودٍ ضيقة، مع التأكُّد أن جسم الصبي وثوبه طاهران.