السؤال:

لَفَتَ نظَري أن آيةَ الوُضُوء التي في سورة المائدة مَدَنِيَّة، مع أن الصلاة فُرضت في مكة، فهل كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُصلِّيها بغير وضوء؟

الجواب:

يقول الله سبحانه (يَا أَيُّها الذِينَ آمنوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ…) (سورة المائدة: 6) نزلت هذه الآية بِغَسْل هذه الأعضاء فقط ـ وهي المُعتبَرة في الوضوء ـ بالمدينة، وفيها أيضًا الطَّهارة من الجَنابة، كما نزلت بالمدينة آية سورة النساء الموجِبة للغُسل من الجنابة، ومعه التيمُّم بدل الغسل وبدل الوضوء الذي يُنتقض بالبَوْل والغائط. والمعروف أن الصلاة فُرضت بمكة، وتحدَّدت بخمس في اليوم واللَّيلة في ليلة المعراج قبل الهجرة، فهل كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُصلِّي في مكة بغير وضوء وبدون غُسْل من الجنابة؟

يقول ابن عبد البر: إنَّ أهل السير ـ التاريخ ـ اتَّفَقُوا عَلَى أنَّ غُسْلَ الجَنَابَة فُرضَ عَلَى النَّبي ـ صلَّى الله عَلَيْه وسلم ـ بمكَّة لمَّا افتُرضت الصلاة وأنَّه لمْ يُصِلِّ قَطُّ إِلَّا بِوُضوء، وهذا مَا لا يَجْهله أحد. وفي مستدرك الحاكم حديث ابن عباس: دَخلت فاطمة على النبي ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش تَعاهدوا ليَقتلوك فقال “ايتوني بوُضوء فتوضأ..”، قَالَ في الفتح ـ فتح الباري لابن حجر ـ وهذا يَصلح ردًّا عَلى مَن أنْكر وجود الوضوء قبْل الهَجْرة، لا على مَن أنْكر وجوبه.

فالمُتَّفق عليه أن الوضوء ـ ومثله الغُسل ـ للصلاة كان موجودًا بمكة، لكن الخلاف في: هَلْ كَانَ وُجودُه على سبيل الندب أو على سبيل الوجوب؟ قال جماعة بالندب، بناء على أن الأمر به في آيتي المائدة والنساء هو للوجوب، وهما نازلتان بالمدينة، وجزم بذلك ابن جهم المالكي، وقال آخرون بالوجوب.

قال القرطبي ـ كما نقله ابن مفلح ـ : إن آية الوضوء ـ النازلة بالمدينة ـ إنَّما نَزَلت ليكون فرضها المتقدم ـ يعنى على إنزالها ـ مَتْلوًّا في التَّنْزيل أي أن الوضوء كان مفروضًا بمكة، ولكن بغير القرآن ثمَّ نَزَل به القرآن في المدينة. وابن حزم جزم بأن الوضوء لم يُشْرَع ـ لا وُجوبًا ولا ندْبًا ـ إلا في المدينة، ومعنى ذلك أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه صلَّوْا في مكَّة بغير وضوء، وكلامه مردود بمرْويات ليست قوية، منها ما أخرجه ابنُ لُهَيْعَةَ في المغازي أن جبريل علَّم النبي الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو حديث مُرْسل سقط منه الصحابي، وما رواه أحمد والدارقطني من رواية ابن لُهَيْعَةَ أيضًا مرفوعًا وليس مُرسلًا: أن جبريل أتي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فِي أوَّل ما أوْحي إليه فَعلَّمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه. هل يُفهم من هذا أنه استنْجَى بعد الوضوء، وأن النَّضْح ليْس فيه مسٌّ للفرج، أو أنَّ مَسَّ الفرج غير ناقض للوضوء؟ معروف أن ابن لُهَيْعَةَ وضعه العلماء في الضعفاء، قيل مُطلقًا وقيل بعْد أنْ مَرِضَ.

ومن المرويات ما أخرجه ابن ماجة من حديث أسامة عن أبيه، وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق اللَّيث بن سعد عن عَقِيل موصولاً، وهو أن جبريل علَّم النبي الوُضوء بمكة، وفي ثبوت هذا كلام. فالخلاصة أن الفقهاء أجْمعوا أن الطَّهارة للصلاة بالوضوء والغُسل واجبة، وأن آية الوجوب نزلت بالمدينة، والصلاة التي صلاها الرَّسول وأصحابه بمكة أو قبل نزول الآية في المدينة فيها خلاف: هل كانت بوضوء أو لا؟ والجمهور على أنها كانت بوضوء، وابن حزم هو الذي قال بعدم مشروعيَّته إذ ذاك، ومَن قال بمشروعية الوضوء بمكة اختلفوا هل كان واجبًا أو مندوباً ؟ قيل بالنَّدب وقيل بالوجوب. ونحْن لا يُهمُّنا من ذلك إلا ما استقرَّ عليه العمَل بعد الأمر به في آيَتَيِ النِّساء والمائدة في وُجوب الطَّهارة للصَّلاة بالوضوء والغُسل.

أما ما حَدَثَ قبل ذلك فالخلاف فيه لا أثر له في حياتنا نحن، يُراجع الشوكاني في نيل الأوطار، والمواهب اللدُنِّية للقَسْطلاني في باب الخصائص لمعرفة إن كان الوضوء خاصًّا بأمَّة مُحمَّد أو كان قبل ذلك ـ وانظر ص 83 من المجلد الثاني من هذه الفتاوى”.