السؤال:

هل يجوز استشارة غير المسلمين في أمور الحرب والسياسة ؟ وهل شاور رسول الله-صلى الله عليه وسلم-غير المسلمين في أمر من أمور السلم أو الحرب ؟ وما هي تلك الحوادث التي وقعت فيها الاستشارة ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فقد اختلف العلماء في جواز الاستعانة بغير المسلمين وعدمه ، فنقل الجواز عن الحنفية ، وعن الشافعي منع الاستعانة بهم على المسلمين وجواز الاستعانة بهم على أمثالهم ، وأقرب ما قيل فيه أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها ، والعمدة في مثل هذه المسألة اتباع ما فيه المصلحة ، ولا شك أن المصلحة في هذا العصر تقتضي إشراك جميع الشعوب في المشاورة , لا تقوم المصلحة بدون ذلك ، وهذا وحده كاف للجواز شرعًا .

 

وفي هذا يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله- (1865 – 1935م) ردا على سؤال مماثل :

خرج النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى الطائف في أول الإسلام ، وطلب من رؤساء أهلها حمايته من قريش ؛ ليبلغ دعوة ربه فردوه ، وكان يخرج في المواسم إلى أسواق العرب يعرض نفسه على القبائل ؛ ليحموه حتى يُبَلِّغَ دعوة ربه ، فكان بعضهم يرد ردًّا حسنًا وبعضهم يرد ردًّا سيئًا ، ثم إنه بعد أن قوي الإسلام استعان في الحديبية بعُيينة الخزاعي ، فاتخذه عينًا على المشركين وكان يومئذ مشركًا ، ومن المعروف أن قصة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة ، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين ألف وأربع مائة أو وخمس مائة ، واستعان بصفوان بن أمية يوم حنين , وأخذ في خيبر برأي عزَّال اليهودي فقطع مشرب القوم ؛ ليخرجوا من حصنهم لمناجزته .

 

وفي مراسيل أبي داود عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في خيبر فأسهم لهم ، وهو ضعيف ، وفي حديث ذي مخبر ( رضي الله عنه ) عند أحمد وأبى داود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ستصالحون الروم صلحًا وتغزون أنتم وهم قومًا من ورائكم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم محالفًا لخزاعة ، وكانت قريش محالفة لبكر ، فاعتدى بنو بكر على بني خزاعة وساعدتهم قريش بعد عهد الحديبية ، فانتقض عهدهم وحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه لأجل ذلك ، حتى فتح مكة عنوة ، وخرجت خزاعة معه على قريش .

لكن ورد في حديث عائشة عند أحمد ومسلم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – خرج قبل بدر ، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كانت تذكر منه جرأة ، ونجدة قال : جئت لأتبعك فأصيب معك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تؤمن بالله ورسوله ؟ ) قال لا ، قال ( فارجع فلن أستعين بمشرك ) ثم ذكرت أنه عاد مرتين بعد ذلك ، فقال له مثل ما قال في المرة الأولى ، وفي حديث خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أنه استأذن النبي هو ورجل آخر من قومه في الغزوة معه ، فقال : ( أسلمتما ) ، قالا ، لا .. فقال : ( إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين ) رواه الشافعي وأحمد والنسائي وغيرهم .

 

ومن هنا جاء الخلاف بين العلماء في جواز الاستعانة وعدمه ، فنقل الجواز عن الحنفية ، وعن الشافعي منع الاستعانة بهم على المسلمين وجواز الاستعانة بهم على أمثالهم .

أما الجمع بين الروايات المختلفة فقد قال الحافظ ابن حجر في التلخيص :
إن أقرب ما قيل فيه أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها ، قال : وعليه نَصَّ الشافعي ، وأنت ترى أن جميع ما نقلناه من روايات الاستعانة كان بعد غزوة بدر التي قال فيها : ( لن أستعين بمشرك ) والعمدة في مثل هذه المسألة اتباع ما فيه المصلحة وهي تختلف باختلاف الأحوال .

وأما استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لغير المسلمين ، فلعل شيخ الإسلام – نفعنا الله بعلمه – يريد بها ما كان في أول الإسلام من استشارته – صلى الله عليه وسلم – لعمه أبي طالب ، ومن استشارة المنافقين بعد الهجرة ؛ كاستشارة عبد الله بن أُبِيّ في غزوة أحد ، ومراجعته لحلفائه من اليهود في بعض المسائل المتعلقة بالمحالفة ؛ إن صح أن يسمي هذا استشارة .

 

أما كونه – صلى الله عليه وسلم – كان إذا عرض أمر يستشير فيه المشركين أو أهل الكتاب ؛ ليستبين بمشاورتهم الرأي فهو ما لا أعرفه ولا أظن أن شيخ الإسلام يريده .

ومن هنا نعلم أنه لا مانع من المشاورة ، وإن مصلحة الأمة هي المحكمة في مثل هذه المسألة , ولا شك أن مصلحة الدول المسلمة في هذا العصر تقتضي إشراك جميع شعوبها في المشاورة ووضع جميع القوانين , لا تقوم المصلحة بدون ذلك ، وهذا وحده كاف للجواز شرعًا .

والله أعلم .