السؤال:

في أثناء انتظاري للصلاة في المسجد شَبَّكت أصَابعي وأنَا جَالسٌ فَقَال لِي بعْض الحاضرين: إن التَّشْبيك ممنوع، فهل هذا صحيح؟

الجواب:

رَوى البخاري عن أبي موسى الأشعري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “إن المؤمن للمؤمن كالبنان يشد بعضه بعضًا”، وشبَّك بين أصابعه. ورَوى البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: صلَّي بِنَا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إحدى صلاتي العشاء، فصلَّى بِنَا ركْعتين ثم سلَّم فقام إلى خَشَبَة معروضة في المسجد فاتَّكأ عليها كأنَّه غضبان، ووضع يده اليمني على اليسرى وشبك بين أصابعه. قال ابن حجر: حديث أبي موسى دالٌّ على جَوَاز التَّشبيك مُطْلقًَا، وحَديث أبي هريرة دالٌّ على جَوَازِه في المَسجد، فهو في غيره أَجْوَز.

ووقَع في بعض نُسَخِ البُخاري قبْل هَذَيْن الحَدِيثين حديث آخر عن ابن عمر قال: شبَّك النبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ أصابعه. قال مغلطاى: هذا الحَدِيث ليس موجودًا في أكثر نسخ البخاري، وقال ابن حجر: هو ثابت في رِواية حمَّاد بن شاكر عن البخاري، قال ابن بَطَّال: المَقْصُود مِن هذه التَّرْجمة مُعارَضة ما ورد في النهى عن التشبيك في المسجد، وقد ورَدَت فيه مَراسيل ومُسند من طرق غير ثابتة. وقال ابن المنير: التَّحْقِيق أنَّه ليْس بين الأحاديث تَعَارُضٌ، إذِ النَّهْى عنه فعله على وجه العبث.

وجمع الإسماعيلي بأن النهي مقيَّد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا إليها، إذْ مُنْتظِر الصلاة في حُكم الصلاة. وقيل: إنَّ حكمة النهى لمنتظر الصلاة أن التشبيك يجلب النوم، وهو من مَظانِّ الحدَث، وقيل: إن صورته تشبه صورة الاختلاف، فكَرِه ذلك لمَن هو في حكم الصلاة حتى لا يَقَع في النهى عنه، وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمُصلِّين “ولا تَخْتلِفوا فتَخْتَلِفَ قُلُوبُكم”.

وَفِي البُخاري والبَيْهقي في شُعَب الإيمان عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: رأيت رسول الله بِفَنَاءِ الكَعْبة مُحْتبيًا بيده هكذا ـ زَادَ البَيْهقي: وشبَّك بَيْن أصَابِعه، وقد شبَّك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيْن يَدَيْهِ في عِدَّة أحاديث ليْس هذا مَحَلَّ إيرادِها، وثبت في الصَّحِيحَيْن في قِصَّة ذِي اليَدَيْنِ أنَّه ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ شبَّك بين أَصَابعه، وجَزَم في “الإِقْناع” بأنَّهُ يُكره له أن يُشبِّك بَيْن أصابعه من حين يخرج ـ يعنى للصلاة ـ قال: وهو في المسجد أشدُّ كراهة، وفي الصلاة أشد وأشد. انتهى.

ونقل في الفروع كراهة تشبيك الأصابع في الصلاة وأنها باتِّفاق الأئمة الأربعة. استدلُّوا بما رواه الترمذي وابْن ماجة عن كعب بن عجرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأي رجلًا قد شبَّك أصابعه فِي الصَّلاة ففرَّج رَسُول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أصابعه.

قال السُّيوطيُّ فِي كِتَابِه” حسن التسليك في حُكْم التشبيك”: رخَّص فِي التَّشْبِيك ابن عمر وسالم ابنه، فكانا يُشبِّكان بين أصابعهما في الصلاة، وقال مغلطاي: والتحقيق أنه ليس بين حديث النهى عن التشبيك وبين تشبيكه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أصابعه مُعارَضة؛ لأنَّ النهى إنما ورد عن فعله في الصلاة أو في المُضِي إليها، وفعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للتشبيك ليس صلاة ولا في المضي إليها، فلا معارضة إذن، وبَقِيَ كلُّ حديث على حاله. انتهى.

وقسَّم بعض المتأخرين التشبيك إلى أقسام:
أحدهما: إذا كان الإنسان في الصلاة، ولا شك في كراهته.
ثانيها: إذا كان في المسجد منتظرًا للصلاة، أو وهو عامد إلى المسجد يُريدها بعدما تطهَّر، والظاهر كراهته كما رواه أحمد عن مولىً لأبِي سعيد الخدري: بينما أنا مع أبي سعيد وهو مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذْ دخلنا المسجد، فإذا رجل جالس وسط المسجد مُحْتبيا مُشبِّكا أصابعه، بعضها في بعض، فأشار إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يَفْطن الرجل لإشارته، فالتفت إلى أبي سعيد فقال: “إذا كان أحدكم في المسجد فلا يُشَبِّكنَّ، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاته ما كان في المسجد حتى يخرج منه” ولحديث كعب بن عجرة “إذا توضأ أحدكم فأحسن وُضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يُشبِّكن بيده فإنه في صلاة” رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، ورواه ابن خزيمة والحاكم عن أبي هريرة وقال: صحيح على شرطهما، ورواه الترمذي وكذا ابن حبان.
ثالثًا: أن يكون في المسجد، بعد فراغه من الصلاة، وليس يريد صلاةً أخرى ولا يَنتظرها فلا يُكره، لحديث ذي اليدين.
رابعًا: في غير المسجد فهو أولى بالإباحة وعدم الكراهة. انتهى.

ثم قال ابن حجر نقلاً عن ابن المنير: التحقيق أنّه ليس بين هذه الأحاديث تعارُض؛ إذ المَنهِيُّ عنه فعلُه على وجه العَبَثِ، والذي في الحديث ـ المؤمِن للمؤمِن ـ إنّما المقصود هو التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحسِّ، وجمع الإسماعيلي بأن النّهي مقيّد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها؛ إذ منتظر الصّلاة في حكم المصلِّي، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية من ذلك؛ لأن حديث أبي هريرة كان تشبيك النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ بعد انقضاء الصّلاة وليس في صلاة أو قبلها، والرواية التي فيها النَّهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة. ثم قال أخيرًا: والحكمة في النّهي قيل لكونِه من الشيطان، وقيل: لأنه يجلِب النّوم وهو من مَظَانِّ الحَدَث، وقيل: لأنّ التّشبيك فيه صورة الاختلاف أهـ.

وبعد، فإن الموضوع لا يعدو مَرْتبة الكراهة، فهو ليس بمُحرَّم، ومَن شبك لا يُعاقَب على ذلك، ولا يجوز الإنكار بشدة على مَن فعله، وهو أهونُ من أن يُثار حوله خلاف والنِّيّة لها دخل في الحكم، والعُرف كذلك ينبغي أن يُراعى في الآداب العامة غير المنصوص عليها، وقد علمتَ أن أحاديث النّهي عن التشبيك غير صحيحة، ولذا قال البعض إن التشبيك مكروه وليس بمحرّم وسيأتي مزيد كلام عليه.


الوسوم: ,