السؤال:

الأساتذة الكرام: السلام عليكم، أعمل بشركة كبيرة ومعروفة لديها إمكانات وثروات، ولكن هناك نظام متبع لا أرضى عنه أنا وزملائي، وهو تفاوت الرواتب بصورة غير طبيعية ؛ فالرواتب قليلة جدا بالنسبة للشركات الأخرى، وأكثر ما يثير العجب هو أن عامل النظافة يحصل على راتب أكبر من السكرتير التنفيذي مثلا، والأحدث تعيينا يحصل على راتب أضعاف من له أكثر من عشرة أعوام بالشركة رغم أن الأقدم هو الأكثر خبرة وعلما وإمكانات. تم طرح هذا السؤال، بل الموقف غير المرضي بالمرة على صاحب الشركة في ظل عدم الرضا والغضب الذي يحرق الصدور فأجاب أن هذا رزق وأن كل موظف يجب أن يرضى برزقه، ومن يعطى الرزق أيها الأفاضل أهو الرب أم العبد؟ فما رأيكم في هذا الموضوع؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

إن صاحب الشركة لا يحتج عليكم بقرآن ولا بسنة، ولكنه لا يريد أن يجرح مشاعركم ويقولها صريحة لكم بأن من لم يعجبه فلينصرف.

وقد يفهم من كلام هذا الرجل أنه يحدد الرواتب بحسب ما يتفق له دون قاعدة أو معيار ثابت، أو لغير ذلك من المعايير التي قد تخفى عليكم سواء رضيتم بها أم لا.

والذي يهمنا هنا أن نبين أن لصاحب الشركة أن يحابي من يشاء من الموظفين فيعطيهم أكثر مما يستحقون ، بل له أن يهبهم من ماله كيف شاء …. هذا عن الزيادة والمحاباة.

وأما الإجحاف ببعض الموظفين وإعطائهم أقل من الآخرين ، فالموظفون في الشركات حكمهم حكم الأجراء، وللناس أن يتفقوا مع الأجراء بحسب التراضي، ولا يوجد في الشرع ما يمنع من تفاوت الأجر بينهم حتى لو لم يكن لها مسوغ.

ولكن هل يجوز أن يجحف ببعض الموظفين فيعطيهم أقل من أجرة مثلهم في السوق؟

منعت السنة التسعير، بأن يحدد الإمام أسعار السلع على الباعة فيمنعهم من بيعها إلا بأثمان معينة، وحينما طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال “إن الله [ تعالى ] هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال” غير أن المحققين من الفقهاء ، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية  وابن القيم رأوا أن التسعير جائز ، بل واجب على الإمام إذا رأى أن الناس يغالون في الأسعار ويتلاعبون بالناس.

ولا بأس أن يقال هنا : إذا وجد الإمام ( الحكومة) أن أصحاب المؤسسات يستبدون بالموظفين فيبخسونهم حقوقهم ، ويعطونهم أقل من أجر المثل، فإن عليه حينئذ أن يحدد الأسعار ، ويضبط المعايير، ويتدخل في إنشاء معايير واضحة دقيقة لتحديد رواتب الموظفين…. ولكنه أبدا لن يملك أن يمنع الناس من محاباة من يحبون، فالناس أحرار في أموالهم يهبونه من يشاءون، ولكن هذه المحاباة في الشركات الخاصة التي يديرها أصحابها بأنفسهم، وأما إذا أدارها غيرهم فليس لهم هذا إلا بإذن خاص من أصحاب الشركة.

وأما الشركات العامة فلا يجوز فيها شيء من المحاباة ؛ لأن المدراء فيها ليسوا أصحاب المال، بل عليهم أن يتقيدوا بالمعايير المعمول بها في اللوائح المنظمة للزيادة والنقصان في الرواتب.

يقول ابن القيم :

….فالمقصود أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات كالفلاحين وغيرهم أجبروا على ذلك بأجرة المثل، وذا من التسعير الواجب فهذا تسعير في الأعمال.انتهى.

وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية :

“والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل ; فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل ; وهذا من التسعير الواجب .”

والله أعلم .