السؤال:

ما هو حكم المسح على الجورب، وهل يدخل ضمن المسح على الخف؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

القول بجواز المسح على الجورب الرقيق قول معتبر عند أهل العلم، لا عند المتسورين على العلم الشرعي. ولا يُنكر على من أخذ به، والحديث الوارد في ذلك من أهل العلم من صححه وعمل به، ولا يجوز الاحتجاج بقول النبي صلى الله عليه وسلم (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) في مسألة خلافية بين العلماء هي محل اجتهاد ونظر. هذا خلاصة ما جاء في فتوى فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- فيقول فضيلته:

 

قرأت النشرة المذكورة ووجدت أن كاتبها متعصب للقول الذي يجيز المسح على الجوربين وفق الشروط التي وضعها بعض فقهاء المذاهب من كون الجورب مجلداً ثخيناً يمكن السير فيه ولا ينفذ الماء إليه..إلى آخر الشروط التي وضعها بعض فقهاء المذاهب.

ونقل كلام بعض العلماء في تضعيف حديث المغيرة بن شعبة قال: (توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد والترمذي وغيرهما، ونقل بعد ذلك كلاماً عن المذاهب الأربعة تؤيد دعواه كما زعم، وقال أخيراً [ … التزم أقوال العلماء الأعلام وعليك بالإتباع وترك الابتداع] ثم ختم نشرته بجزء مبتور من حديث للنبي صلى الله عليه وسلم (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) هذا أهم ما جاء في النشرة المشار إليها.

 

 

وأقول إننا في هذه البلاد قد ابتلينا بأشباه طلبة العلم الذين يظن الواحد منهم أنه إن قرأ كتاباً أو سمع أشرطة لدروس شيخ أو عالم، صار عالم زمانه الأوحد، وصار الحق حكراً له فالحق عنده والباطل عند من خالفه!!! هذه البلوى الحقيقية وليست البلوى ما زعمه كاتب النشرة من أن البلوى هي تفشي ظاهرة المسح على الجورب الرقيق؟؟!! فالأخيرة مسألة خلافية وهي من مسائل الخلاف المعتبر عند أهل العلم؛ لأنها مسألة اجتهادية وفيها مجال للنظر والأخذ والرد، ومن الجهل الفاضح أن يختم كاتب النشرة كلامه بالجزء المبتور من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ليصل إلى نتيجة باطلة قطعاً وهي إن العلماء القائلين بجواز المسح على الجورب الرقيق هم (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها). وأقول ما قاله الشاعر قديماً:

أوردها سعد وسعد مشتمل .. ما هكذا يا سعد تورد الإبل

لنرجع إلى نص الحديث النبوي الذي اقتطعت منه الجملة التي ساقها الكاتب لنرى هل ينطبق هذا الحديث على أولئك العلماء أم لا؟

نص الحديث هو: عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير، قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت يا رسول الله صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) رواه البخاري ومسلم.

 

 

قال الإمام النووي:[قوله صلى الله عليه وسلم: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ) قال العلماء : هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة.] شرح النووي على صحيح مسلم 4/547.

 

إن الكاتب المذكور اجتزأ النص ليوافق هواه، وفعل فعل الذين يقولون ( ويل للمصلين )!! قاتل الله التعصب فهكذا يفعل بأهله يوصلهم إلى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع النصوص في غير محالها.

إذا تقرر هذا فإن الخطب يسير في مسألة المسح على الجورب الرقيق، وليس الأمر كما يحاول أن يصوره بعض المتعصبين للمذاهب والذين تضيق صدورهم بالخلاف الفقهي المعتبر، وقد سبق أن بحثت هذه المسألة بشيء من التفصيل في أكثر من موضع من سلسلة يسألونك، وبينت أدلة من أجاز المسح على الجورب دون اعتبار لما شرطه بعض الفقهاء من شروط للجوربين الذين يمسح عليهما بأن يكونا منعلين أو مجلدين أو ثخينين وغير ذلك من الشروط، فإنه لم يقم دليل صحيح على اعتبار هذه الشروط ولم يرد دليل على تقييد الجوربين بهذه الشروط.

 

ولا أريد تكرار الكلام في المسألة، ولكن لا بد من التنبيه إلى أن مسألة الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف هي مسألة اجتهادية، وهذا أمر معروف عند العلماء، والحديث الوارد في المسح على الجوربين خير مثال على ذلك، فقد صححه جماعة من المحدثين وضعفه آخرون.

 

 

وكذلك فقد نص العلماء على أنه لا إنكار في مسائل الخلاف الاجتهادية ومسألة المسح على الجورب الرقيق داخلة في ذلك؛ لأن المجيز للمسح على الجورب الرقيق لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً.

 

قال الإمام النووي:[ ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً ] شرح النووي على صحيح مسلم 2/ 24.

 

وقال العلامة ابن القيم: [إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل فيها مجتهداً أو مقلداً ] إعلام الموقعين 3/ 365.

 

 

وهكذا كان سلف الأمة يتعاملون مع المسائل الخلافية قال القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه: [ إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة].

 

وقال سفيان الثوري:[إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه] الفقيه والمتفقه 2/69.

 

ونقل الخطيب البغدادي عن سفيان الثوري أنه قال:[ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به] الفقيه المتفقه 2/69.

 

وقال يحيى بن سعيد:[ما برح أولو الفتوى يفتون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه، ولا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله].

 

وقال الإمام أحمد فيما نقله ابن مفلح: [لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم.].

 

ويقول ابن مفلح:[لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ فيه خلاف في الفروع ] الآداب الشرعية 1/186.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 20/207.

والله أعلم.