السؤال:

إذا دخل رجل المسجد والإمام يخطب الجمعة فهل يجوز له أن يصلي تحية المسجد، مع أن الاستماع للخطبة واجب؟

الجواب:

روى مسلم أن سُليكًا الغطفاني جاء يوم الجمعة ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب ، فجلس، فقال له “يا سليك، قُمْ فَارْكَعْ ركعتينِ وتَجَوَّزْ فيهما” ثم قال “إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فَلْيَرْكَعْ ركعتين وليتجوز فيهما” وفيه عدة روايات.
يقول النووي في شرح صحيح مسلم “ج 6 ص 164”: هذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب، اسْتُحِبَ له أن يُصلي ركعتين تحية للمسجد، ويُكره الجلوس قبل أن يصليهما، وأنه يُستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدها الخطبة، وحُكِىَ هذا المذهب أيضًا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين.

قال القاضي: وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما وهو مَرْوِيٌّ عن عمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ ، وحُجَّتُهُمْ الأمر بالإنصات للإمام، وتَأَوَّلُوا هذه الأحاديث على إنه ـ يعني سليكًا ـ كان عُريانًا فأمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالقيام لِيَرَاهُ الناس ويَتَصَدَّقُوا عليه.
وهذا تأويل باطل يَرُدُّهُ صَريح قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فلْيركعْ ركعتين ولْيتجوَّزْ فيهما” وهذا نَصٌّ لا يتطرق إليه تأويل، أي لأنه عام لا يَخُصُّ سليكًا وَحْدَهُ ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ صحيحًا فيخالفه.

ثم قال النووي: وفي هذه الأحاديث أيضًا جواز الكلام في الخطبة لحاجة، وفيها جوازه للخطيب وغيره، وفيها الأمر بالمعروف والإرشاد إلى المصالح في كل حال وموطن.

وفيها أن تحية المسجد ركعتان، وأن نوافل النهار ركعتان، وأن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حَقِّ جاهلِ حكمها، وقد أطلق أصحابنا ـ الشافعية ـ فواتها بالجلوس ، وهو محمول على العالم بأنها سُنَّةٌ، أما الجاهل فيتدراكها عن قرب لهذا الحديث.

والمُستنبط من هذه الأحاديث أن تحية المسجد لا تترك في أوقات النهي عن الصلاة، وأنها ذات سبب تُباح في كل وقت، ويلحق بها كل ذوات الأسباب، كقضاء الفائتة ونحوها، لأنها لو سقطت في حال لكان الحال أولى بها، فإنه مأمور باستماع الخطبة فَلَمَّا تَرَكَ لها استماع الخطبة وقطع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها الخطبة وأمره بها بعد أن قعد وكان هذا الجالس جاهلاً حكمها ـ دَلَّ على تأكُّدِها وأنها لا تُتْرَكْ بحال ولا في وقت من الأوقات أهـ.

وبعد، فقد تحدث العلماء قديمًا وحديثًا في هذا الموضوع، وقد عَلِمْنَا مما تقدم أنه في الأمور الخلافية، فلا ينبغي التعصب لرأي خِلَافِيٍّ، فَمَنْ صلي تحية المسجد قبل أن يجلس والإمام يخطب لم يَرتكب إِثْمًا، وكذلك من دخل وجلس ولم يصل التحية لم يرتكب إثمًا، ومَنْ جَلَسَ ولم يصل ثم قام ليصلي أثناء الخطبة وكان جاهلاً بذلك فَيُوَجَّه بِرِفْقٍ لا تعنيف فيه.