السؤال:

في هذه البلاد عادة سنوية؛ وهي أن الأهالي يَنصِبون خشبة طويلة أمام المساجد ويُزَيِّنُونها بالبَيَارِق ويُغَنُّون ويَرْقُصون حَوْلَها كل ليلة من أول شهر ربيع الأول. وفي ليلة الثاني عشر منه (ليلة المولد) يذبحون عندها الذبائح ويجتمع الرجال والنساء للرقص واللهو، ويحضر معهم شيخهم وبعد صلاة العشاء يدخلون المسجد ثم يقرؤون قصة المولد ويُنشِدون قصائد، وقد تكون معهم مزامير. فإذا طَلَع النهار يَذْبحون ذبائح أخرى ويجتمعون للأكل ثم يأخذون بَيَارِقَهم ويَطُوفون حول البلد بنسائهم وهم يُنشِدون القصائد والنساء تُزَغْرِد حتى إذا انتَهَوا إلى هذه الخشبة أَقْبَل عليها الناس يُقَبِّلُونَها فهل ذلك جائز شرعًا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد : فيقول الشيخ حسنين مخلوف مفتي مصر الأسبق -رحمه الله- ردا على سؤال مماثل :

إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي إنما يكون بذكر الله ـ تعالى ـ وشكره لِمَا أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق في عالم الوجود، ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبُعْد عن المحرمات والبدع والمنكرات. ومن مظاهر الشكر إطعام الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا، ومواساة المحتاجين بما يُخَفِّف ضائقتهم وصلة الأرحام.

والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يَكُن مأثورًا في عهده ـ صلى الله وعليه وسلم ـ ولا في عهد السلف الصالح إلا أنه أَمْر لا بأس به وبدعة حسنة.

قال صاحب المدخل بعد أن أشار إلى ما يرتكبه العامة في ليلة المولد من البدع السيئة: (وكان يجب أن يُزَادَ في هذا الشهر الكريم الذي مَنَّ الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين من العبادات والخير شكرًا للمولى ـ سبحانه ـ على ما أَوْلَانَا من هذه النعم العظيمة، وإن كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يَزِد فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات. وما ذاك إلا لرحمته بأمته ورِفْقِه بهم؛ لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يترك العمل خَشْيَةَ أن يُفْرَض على أمته رحمة منه لهم، لكن أَشَار ـ عليه الصلاة ـ إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله لمن سأله عن صوم يوم الاثنين: (ذلك يوم وُلِدْتُ فيه) فتشريف هذا اليوم يَتَضَمَّن ضمنًا تشريفَ هذا الشهر الذي وُلِد فيه، فينبغي أن نَحْتَرمه حق الاحترام، ونُفَضله بما فَضَّل الله به الأشهر الفاضلة، وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خَصَّها الله تعالى به من العبادات التي تُفْعَل فيها، وكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يَخُصُّ الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات.

أما كل ما خالف ذلك، مما جاء في السؤال، فهو بِدَع منكرة لا أصل لها في الدين، فلا يجوز نصب هذه الخشبة لذلك أمام المساجد، ولا تعليق البيارق عليها، ولا الرقص ولا الغناء حولها، ولا اختلاط النساء بالرجال في هذه الليالي، ولا فعل شيء من ذلك في المساجد فضلًا عن المزامير ولا الطواف حَوْل البلد بهذه الطريقة، ولا تَقْبِيل الخشبة المنصوبة.

والواجب على المسلمين الكَفُّ عن هذه البدع والإقلاع عن هذه العادات وتجريد ذكر المولد الشريف من كل ما ينافي جلاله وتعظيمه واحترامه وتوقيره

يَا عُصْبَةً مَا ضَرَّ أُمَّةَ أَحْمَدٍ     وَسَعَى إِلَى إِفْسَادِهَا إِلَّا هِي

طَارٌ وَمِزْمَارٌ وَنَغْمَةُ شَادِنٍ     أَرَأَيْتَ قَطُّ عِبَادَةً بِمَلَاهِي

وإن التَّبِعَة الكبرى في هذه المنكرات على من نَصَّبُوا أنفسهم منصب القدوة، وسَلَّم العامةُ لهم قِيَادَهم فلم يوجهوهم للخير والعمل الصالح، ولم يُرشدوهم إلى حُكْم الدين بل زينوا لهم البدع باسم الدين حتى تَمَكَّنَت في نفوسهم، وأصبحت عقائد راسخة في قلوبهم، وتَعَذَّر على المُصلِحين معالجة أمورهم ورَدُّهم عن هذا المنكر إلى المعروف. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والله أعلم.