السؤال:

يصر بعض الآباء على تزويج بناتهم دون مشورتهن ، ويرغمونها على الزواج بقوة من رجل لا تريده ، وقد يكون ذلك بغرض مصلحة دنيوية أو لأمور أخرى ، فما حكم هذا الزواج الإجباري في الشرع ؟ وماذا تفعل الفتاة إذا تم إجبارها على الزواج ممن لا ترغب ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فسُلْطان الأب على ابنته يتمثل في الرعاية والتأديب الديني والخُلُقي ، وليس له سُلْطة تزويجها ممن لا ترضاه ، فإن زوَّجها بغير رضاها فالعقد باطل ، لكن من حقه عليها ألا تُزوِّج نفسها إلا بإذنه ، والأَوْلى أن يتم الزواج بموافقة الأب والأُم والبنت ، والمطلوب من الأب ألا يعوق زواج ابنته إذا حضر كفؤها .

يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (مركز المرأة في الحياة الإسلامية) :

سُلْطان الأب على ابنته لا يتجاوز حدود التأديب والرعاية والتهذيب الديني والخُلُقي ، شأنها شأن إخوانها الذكور ، فيأمرها بالصلاة إذا بلغت سبع سنين ، ويضربها عليها إذا بلغت عشراً ، ويفرِّق حينئذ بينها وبين إخوتها في المضجع ، ويلزمها أدب الإسلام في اللِّباس والزينة والخروج والكلام .

ونفقته عليها واجبة ديناً وقضاءً حتى تتزوج ، وليس له سُلْطة بيعها أو تمليكها لرجل آخر بحال من الأحوال ، فقد أبطل الإسلام بيع الحر ـ ذَكراً كان أو أنثى ـ بكل وجه من الوجوه ، ولو أنَّ رجلاً حراً اشترى أو مَلَكَ ابنة له كانت رقيقة عند غيره ، فإنها تُعتق عليه بمجرد تملكها ، شاء أم أبى ، بحكم قانون الإسلام .

وإذا كانت للبنت مال خاص بها ، فليس للأب إلا حُسْن القيام بالمعروف .. ولا يجوز له أن يزوِّجها لرجل آخر ، على أن يزوِّجه الآخر ابنته ، على طريقة التبادل ، وهو المسمى في الفقه ب‍ “نكاح الشغار” وذلك لخلو الزواج من المهر الذي هو حق البنت لا حق أبيها .

وليس للأب حق تزويج ابنته البالغة ممن تكرهه ولا ترضاه ، وعليه أن يأخذ رأيها فيمن تتزوجه : أتقبله أم ترفضه، فإذا كانت ثيِّباً فلابد أن تعلن موافقتها بصريح العبارة، وإن كانت بِكراً يغلبها حياء العذراء اكتفى بسكوتها ، فالسكوت علامة الرضاء، فإن قالت: لا .. فليس له سُلْطة إجبارها على الزواج بمن لا تريد .

روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا : “لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر ولا البِكر حتى تُستأذن” . قالوا : يا رسول الله ؛ وكيف إذنها ؟ قال : “أن تسكت” .

ورويا أيضاً عن عائشة قالت : يا رسول الله ؛ يُستأمر النساء في أبضاعهن ؟ قال : “نعم” ، قلت : إنّ البكر تُستأمر فتستحي فتسكت ! قال : “سكاتها إذنها” ، ولهذا قال العلماء : ينبغي إعلام البِكر بأنَّ سكوتها إذن .

وعن خنساء بنت خدام الأنصارية : “أن أباها زوَّجها وهي ثيِّب فكرهت ذلك ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرَّد نكاحها” . رواه الجماعة إلا مسلماً .

وعن ابن عباس : أن جارية بِكراً أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة ، فخيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم . رواه أحمد وصححه الشيخ شاكر.

وفي هذا دليل على أن الأب لا يتميز عن غيره في وجوب استئذان البِكر ، وضرورة الحصول على موافقتها .

وفي صحيح مسلم وغيره : “والبكر يستأمرها أبوها” أي يطلب أمرها وإذنها.

وعن عائشة : أن فتاة دخلت عليها ، فقالت : إنَّ أبي زوَّجني من ابن أخيه ، ليرفع بي خسيسته ، وأنا كارهة . قالت : اجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته ، فأرسل إلى أبيها ، فدعاه ، فجعل الأمر إليها . فقالت : يا رسول الله ؛ قد أجزتُ ما صنع أبي ، ولكن أردتُ أن أعلم : أللنساء من الأمر شيء” ؟ . رواه النسائي .

وظاهر الأحاديث يدل على أن استئذان البِكر والثِّيب شرط في صحة العقد ، فإن زوَّج الأب أو الوليُّ الثِّيب بغير إذنها فالعقد باطل مردود ، كما في قصة خنساء بنت خدام .. وفي البِكر : هي صاحبة الخيار إن شاءت أجازت ، وإن شاءت أبت ، فيبطل العقد كما في قصة الجارية . نيل الأوطار 6/254-256 .

ومن جميل ما جاء به الإسلام: أنه أمر باستشارة الأُم في زواج ابنتها ، حتى يتم الزواج برضا الأطراف المعنية كلها . فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “آمروا النساء في بناتهن” . رواه أحمد وله شواهد أخرى .

وللإمام أبي سليمان الخطابي هنا كلمات قَيِّمة في توجيه هذا الحديث في كتابه “معالم السنن” يحسن بنا أن ننقلها هنا لما فيها من حكمة وعبرة . يقول رحمه الله :

“مؤامرة الأُمهات في بُضْع البنات ليس من أجل أنهن يملكن من عقد النكاح شيئاً ، ولكن من جهة استطابة أنفسهن ، وحُسْن العِشرة معهن ، ولأن ذلك أبقى للصحبة ، وأدعى إلى الأُلفة بين البنات وأزواجهن ، إذا كان مبدأ العقد برضاء من الأمهات ، ورغبة منهن ، وإذا كان بخلاف ذلك لم يؤمن تَضْرِيَتُهن أي : (تحريضهن على أزواجهن) ، ووقوع الفساد من قِبَلهن ، والبنات إلى الأُمهات أميل ، ولقولهن أقبل ، فمن أجل هذه الأُمور يُستحب مؤامرتهن في العقد على بناتهن ، والله أعلم ..قال :”وقد يحتمل أن يكون ذلك لِعلَّة أُخرى ، غير ما ذكرناه ، وذلك أن المرأة ربما علمت من خاص أمر ابنتها ، ومن سِرِّ حديثها أمراً لا يستصلح لها معه عقد النكاح ، وذلك مثل العِلَّة تكون بها ، والآفة تمنع من إيفاء حقوق النكاح . وعلى نحو هذا يتأول قوله : “ولا تُزوَّج البِكر إلا بإذنها وإذنها سكوتها” ، وذلك أنها قد تستحي من أن تُفصح بالإذن ، وأن تُظهر الرغبة في النكاح ، فيستدل بسكوتها على سلامتها من آفة تمنع الجِماع ، أو سبب لا يصلح معه النكاح لا يعلمه غيرها . والله أعلم” أ.ه‍ـ.

ونزيد هنا أن الأُم قد تعلم من أسرار ابنتها أنَّ قلبها مع شخص آخر ، فإذا تقدَّم لها هذا الشخص وكان كُفئاً ، فهو أَولى بالتقديم والترجيح ، كما جاء في الحديث : “لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح” . رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

وإذا كان الأب لا يحق له تزويج ابنته ممن لا ترضاه ، كان من حقه عليها ألا تُزوِّج نفسها إلا بإذنه لحديث أبي موسى مرفوعاً : “لا نكاح إلا بولي” رواه أبو داوود والترمذي ، ولحديث عائشة مرفوعاً : “أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل .. ثلاث مرات” . رواه الترمذي وحسنه .

ورأى أبو حنيفة وأصحابه أنَّ من حق الفتاة أن تزوِّج نفسها ، ولو بغير إذن أبيها ووليها ، بشرط أن يكون الزوج كفئاً لها . ولم يثبت عندهم الحديث المذكور ، مستدلين بما جاء في القرآن من نسبة النكاح إلى المرأة : (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) (سورة البقرة/ 232) ، (حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرهُ) (سورة البقرة/ 230) ، وقوله تعالى : (فَلاَ جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلنَ فِي أَنفُسِهنَّ بِالمَعرُوفِ) (سورة البقرة/ 234) ، أضاف النكاح في هذه الآيات وغيرها إلى النساء ، ونهي عن منعهن منه ، ولأنه خالص حق المرأة ، وهي من أهل المباشرة ، فصح منها ، واشترط أبو حنيفة أن يكون زواجها من كفء ، وإلا كان للأولياء حق الاعتراض ، فإن زوَّجت نفسها بإذن الولي دون حضوره ، فقد أجاز ذلك بعض الفقهاء . والجمهور يشترطون حضور الولي ، وإلا فإن زواجها يكون باطلاً .

قال العلامة ابن قدامة: فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم، أو كان المتولي لعقده حاكماً، لم يجز نقضه.

قال: وخرج القاضي في هذا وجهاً خاصة: أنه ينقض، لأنه خالف نصًّا. والأول أولى؛ لأنها مسألة مختلف فيها ، ويسوغ فيها الاجتهاد، فلم يجز نقض الحكم له ، كما لو حكم بالشفعة للجار . وهذا النص (يعني : “لا نكاح إلا بولي”) متأول، وفي صحته كلام ، وقد عارضته ظواهر أ.هـ . المغني لابن قدامة .

وهذا من عميق فقه ابن قدامة وإنصافه رضي الله عنه ، ومع هذا فالأَوْلى والأوفق : أن يتم الزواج بموافقة جميع الأطراف : الأب ، والأُم ، والابنة . حتى لا يكون هناك مجال للقيل والقال ، والخصومة والشحناء ، وقد شرع الله الزواج مجلبة للموَدَّة والرحمة .

والمطلوب من الأب أن يتخيَّر لابنته الرجل الصالح الذي يسعدها ويسعد بها ، وأن يكون همه الخُلُق والدين ، لا المادة والطين ، وألا يعوق زواجها إذا حضر كفؤها ، وفي الحديث : “إذا أتاكم مَن ترضون خُلُقه ودينه فزوِّجوه. إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض” . رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

وبهذا علَّم الإسلام الأب أن ابنته “إنسان” قبل كل شيء ، فهي تطلب إنساناً مثلها ، وليست “سلعة” تُعرض وتُعطَى لمن يدفع نقوداً أكثر ، كما هو شأن كثير من الآباء الجاهلين والطامعين إلى اليوم . وفي الحديث : “إنَّ مِن يُمْن المرأة : تيسير خطبتها ، وتيسير صداقها ، وتيسير رحمها ـ أي ولادتها” . رواه أحمد والحاكم وصححه على شرط مسلم .

والله أعلم .