السؤال:

هل يملك الوالد التصرف في مال الابن كيف شاء؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

الأخت الفاضلة : نبين بوضوح ومباشرة في النقاط التالية حكم الشرع في حالتكم:

أولا : راتبك من حقك أنت ، وليس من حق زوجك أن يجتاحه فضلا عن أهله ، فإذا امتنعت عن تقديمه لزوجك وأهله فلا يلحقك إثم أبدا إن شاء الله.

ثانيا : لعل حماك يتصرف في مال ابنه انطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم : ” أنت ومالك لأبيك “، ففهم من ذلك أن من حقه أن يجتاح مال ولده ، والحق ليس كذلك ، فمعنى هذا الحديث أنه يجب على الابن الغني أن ينفق على أبيه الفقير، أما إذا كان الأب غنيا ميسور الحال غير محتاج فلا يجب على الابن حينئذ أن ينفق على أبيه.

وإذا كان الوالد سينفق ما يأخذه من الابن في السرف، أو كان ما يأخذه يلحق الضرر ‏بالابن، فإنه ليس للابن تمكين الأب من الأخذ من ماله؛ لئلا يعينه على باطل، ولقول النبي ‏صلى الله عليه وسلم: ” لا ضرر ولا ضرار” أخرجه الإمام مالك وغيره.‏

ثالثا: ومعنى ذلك أن الحل في يدك بأن تعتصمي بمالك، فلا تخلطيه بمال زوجك، مع مطالبته بالإنفاق عليك أنت وولدك، كما أن الحل في زوجك أن يتعود الاعتذار في لطف من أبويه إذا كلفاه من أمره شططا.

يقول الشيخ : عطية صقر من كبار علماء الأزهر :-

إن الجَهل بالدِّين سبب لكثير من ألوان الانحراف، والطمع، وهو كذلك مَدرجة للانزلاق، وضعف الرُّوح الأخويّة أو تحكم الأَثَرة والأنانيّة التي لا يقوم بها مجتمع سَليم.

قال العلماء في مظاهر بِرٍّ الولد بوالديه: لابدَّ من الإنفاق عليهما النّفقة المناسبة من طَعام وكِساء ومَسكن وما إلى ذلك من الضروريات، بشرط أن يكون ذلك في وُسْع الولد، ولا يضُرُّ به ضَررًا واضحًا، فإذا استولَى الوالدان على مال ولدهما لحاجتِهما إليه فلا شَيء فيه بشَرط عدم الضَّرر بالولد، كأن يأخذا ما يَزيد على كفايتِهما، ولا يمكِّنانه من أداء التزاماتِه الخاصّة، وإلا كان على الولد أن يُعطيَهما فقط مِقدار الكِفاية، وهو النفقة الواجبة، ويُبقي لنفسه ما يعيش به مع أسرته.

أخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى أبي بكر ـ رضي الله عنه فقال: إنّ أبي يُريد أن يأخذَ مالي كلّه يَجتاحه، أي لا يُبقي منه شيئًا فقال لأبيه: إنّما لك من ماله ما يَكفيك، فقال: يا خَليفة رسول الله، أليس قد قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ “أنت ومالك لأبيك”؟ فقال: نعم، وإنما يَعني بذلك النّفقة. “تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 66″.

والحديث المذكور رواه ابن ماجة عن جابر، ورواه الطبراني عن سمرة وابن مسعود بسند صحيح، جاء في المغني لابن قدامة الحنبلي” ص2″ أن للأبِ دون غيره أن يأخذ من مال ولده ما يَشاء، ويتملّكه مع حاجة الأب إلى ما يأخذه ومع عدمها، صغيرًا كان الولد أو كبيرًا، بشرطين: ألا يُجْحِفَ بالابن ولا يضُرُّ به، ولا يأخذ شيئًا تعلّقت به حاجته، وألاّ يأخذَ من مال ولده فيُعطيَه لآخر.

وروى البيهقي في الدلائل والطّبراني في الصّغير والأوسط بسند فيه من لا يعرف عن جابر: أن رجلاً أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشكو إليه والده بأنه أخذ ماله، فأرسل خلفه ـ استدعاه ـ فجاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عمّا يقوله ولده، فقال: سَلْه، هل أُنفقه إلا على إخوتِه وعمّاته؟ وبعد أن سمع منه أبياتًا “انظر الجزء الخامس من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام” قال النبي لابنه “أنتَ ومالُك لأبيك” وجاء في تفسير الزمخشري “الكشاف” أن الولَد غَنِيٌّ، وأن أباه صار عاجِزا يتوكّأ على عصا، وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بَكَى لمَنظره، وأنه قال: “ما مِن حَجَر ولا مَدَرٍ يسمع هذا إلا بَكَى” ولكن مخرّج أحاديث الكشاف قال: لم أجده فالحديث ضعيف.

ولما كان بعض الآباء يتحرّج من أخذ شيء من مال أولاده؛ لأنه مال للغير، جاء النّص الذي يُطيِّب النفس بأخذ ما يحتاج إليه منه، ففي الحديث “إِنَّ أولادَكم من أطيبِ كسبِكم، فكُلوا كَسْب أولادكم” رواه أبو داود وأحمد وابن ماجه، وهو صحيح ذكره السيوطي في “الجامع الصغير” والبغوي في “مصابيح السنة” وابن القيم في “إعلام الموقعين” وفي زاد المعاد “ج 4 ص 164″. انتهى.

و يقول الأستاذ الدكتور حسام الدين عفانه – أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس:- لقد اتفق الفقهاء على أنه يجب على الولد الموسر أن ينفق على والده الفقير المحتاج، وإن لم يفعل فهو آثم عند الله سبحانه وتعالى، ويجوز للأب أن يأكل من مال ولده، ويأخذ منه قدر حاجته ما لم يكن في ذلك سرف أو سفه، فقد ورد في الحديث عن عائشة قالت : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم ) رواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد وابن حبان والحاكم وهو حديث حسن صحيح كما قال الترمذي. وفي رواية لأحمد :( ولد الرجل من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم هنيئاً ) ورواه الحاكم وصححه .

وينبغي للابن أن يبذل ماله لأبيه ولا يمنعه منه، وليس معنى ذلك أن الأب يملك مال الابن من غير طيب نفس من ابنه.

وأما الحديث المذكور وهو قوله :( أنت ومالك لأبيك ) فهو جزء من حديث ورد بروايات مختلفة منها عن جابر بن عبد الله أن رجلاً قال :( يا رسول الله إن لي مالاً وولداً وإن أبي يجتاح مالي، فقال عليه الصلاة والسلام : أنت ومالك لأبيك ) رواه ابن ماجة والطحاوي والطبراني وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني وقد ورد هذا الحديث من طرق كيثرة تكلم عليها الألباني بالتفصيل في كتابه إرواء الغليل 3/323-330 .

ولم يأخذ أكثر الفقهاء بظاهر الحديث قال ابن حبان في صحيحه : تـحـت عـنـوان ” ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أن مال الابن يكون للأب … ” ثم ذكر الحديث وعقب عليه بقوله :[ ومعناه أنه صلى الله عليه وسلم زجر عن معاملته أباه بما يعامل به الأجنبي، وأمره ببره والرفق به في القول والفعل معاً، إلى أن يصل إليه ماله، فقال له :( أنت ومالك لأبيك ) لا أن مال الابن يملكه الأب في حياته عن غير طيب نفس من الابن له ] صحيح ابن حبان 2/142-143 .

ويرى بعض أهل العلم أن اللام في قوله صلى الله عليه وسلم :( لأبيك ) تفيد الإباحة لا التمليك، فيباح للوالد أن يأخذ من مال الابن حاجته ولا تفيد أن الأب يملك مال الابن فإن مال الابن له وزكاته عليه وهو موروث عنه .

وقال الشيخ علي الطنطاوي :[ إن الحديث قوي الإسناد لكن لا يؤخذ عند جمهور الفقهاء على ظاهره، بل يؤول ليوافق الأدلة الشرعية الأخرى الثابتة، والقاعدة الشرعية المستنبطة منها، وهي أن المالك العاقل البالغ يتصرف بماله، وليس لأحد التصرف به بغير إذنه … ] فتاوى الطنطاوي ص 137 .

والله أعلم .

حرر هذه الفتوى حامد العطار الباحث الشرعي.