السؤال:

هل يجوز الطعن في العلماء؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وجزاكم الله خيرا، وبعد..

فإن هؤلاء الأعلام الذين ذكروا في السؤال والذين طعن فيهم هم من أهل القدوة الحسنة، وهم رجال نحسبهم ولا نزكّي على الله أحدًا: صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقد قدموا خدمات جليلة للإسلام والمسلمين، وأن الذين يتصدون لهم بتفسيقهم، أو بالحكم عليهم بالابتداع لا يصح أن يكونوا من خدامهم على موائد العلم؛ ذلك لأن السلفي الأصيل معتدل في سلوكه، مؤدب في ألفاظه، لا يرمي الناس بالفسق ولا بالجهل ولا بالابتداع؛ لأن أولئك المعتدين على العلماء ما هم إلا طلاب علم، قد يفهمون النص وقد يجهلونه، وإن فهّم بعضهم بعضًا فإنه يلوي عنقه للوصول به إلى مأربه، وهذا أمر يأباه الدين الحنيف.
وعليه أقول: إن من يدعون أنهم سلفيون هم يتأسون بالصحابة – رضي الله عنهم – أجمعين، وليس هذا من أخلاق الصحابة رضوان الله عليهم، فيجب عليهم أن يتأدبوا بأدب الإسلام، وأن يحترموا علماءهم، وأن يناقشوا الأمر بعقلانية ووعي وحب، وأن يصرفوا أنفسهم عن الجدل والمراوغة والتطاول على علماء المسلمين.

لا ريب أن احترام العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً ؛ وإن خالفناهم الرأي، فالعلماء ورثة الأنبياء ، والأنبياء قد ورثوا العلم ؛ وأهل العلم لهم حرمة، وقد وردت نصوص كثيرة في تقدير العلماء واحترامهم ، قال الإمام النووي :
[ باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم ].
ثم ذكر قول الله تعالى 🙁 قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) سورة الزمر الآية 9 .
ثم ساق الإمام النووي طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار وأحيل القارئ إلى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ص 187-192 .
ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن والوقوع في أعراض المسلمين: نجد بعض المنتسبين إلى العلم وأشباه العلماء يطعنون في العلماء بحجة الجرح والتعديل ، ويعطنون في من لا يتفق مع أهوائهم ، ولا يكتفون بذلك بل يفسقون ويضللون ويكفرون بدعوى أنهم أهل للجرح والتعديل ، وما فهموا معنى الحرج والتعديل ، ولو كانوا أهلا له كما يدعون لما صدر منهم شيء مما يرتكبون ، فسلف الأمة لم يفسقوا أحدا، ولم يكفروا أحدا ممن جرحوه ، وكانوا لا يجرحون أحدا إلا بدليل ، ودون نية التشفي ولا غرض الشهرة والظهور.

ولو كانوا يفقهون قليلا لعلموا حرمة الطعن وحرمة السب وخطر التكفير ، فالذين لا يعجبهم بعض العلماء الأجلاء أمثال المذكورين في السؤال كالشيخ محمد حسان ويعقوب والحويني والغزالي: عليهم أن يتقوا الله تعالى ، وأن يعترضون على مخالفيهم في العلم ـ إن كانوا هم من أهل العلم ـ مع مراعاة الأدب وحسن الخلق ومراعاة حق العلماء ، فليس منا من لم يعرف لعالمنا قدره ويعطيه حقه من التوقير والإجلال.

وإنها لمن الفتن أن ينبري بعض الجهال المدعين للعلم للطعن في العلماء وتفسيق الدعاة إلى الله تعالى وتكفيرهم ، إن أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة يشتمون المشايخ والدعاة بغير وعي، ولا يعرفون ماذا يصدر منهم من فظائع لا يجوز أن تقال في حق واحد من عامة الناس، فضلاً أن تقال في حق عالم من علماء الأمة كالشيخ القرضاوي.
إن هجمتهم الشرسة على العلماء والدعاة تثير التساؤل ، فهذه الهجمة تخدم أعداء الأمة الإسلامية .
وأتسائل لمصلحة من يهاجم علماء الأمة ؟ولمصلحة من يشتم العلماء ؟ هل هذه هي الطريق لإقامة الخلافة ؟ هل علماء الأمة حالوا دون إقامة دولة الخلافة ؟ أم أن بعض الناس يعلق فشله وعجزه على الآخرين ؟ لماذا يوصف العلماء بالخيانة أو السذاجة والبلاهة ؟ هل يصح أن يقال في علماء الأمة : ” ومن الملمَّعين المنافقين ” ؟ كيف عرفتم أنهم منافقون ؟ هل شققتم على قلوبهم ؟ ألم تسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنهما لما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله: (أفلا شققت على قلبه ؟ ) رواه مسلم .
ألم تسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم 🙁 إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ) رواه البخاري ومسلم .

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:( لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم، وتفرقت أهواؤهم هلكوا ) رواه أبو عبيد والطبراني في الكبير والأوسط ، وقال الهيثمي رجاله موثقون .
ورواه أبو نعيم في الحلية، ولفظه قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ( لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم، وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم فقد هلكوا ) . وورد في رواية أخرى عند الخطيب في تاريخه بلفظ: ( فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفلتهم فقد هلكوا ) . إتحاف الجماعة 2/ 105 .

أهكذا يكون النقد العلمي ؟ قال الإمام الذهبي يرحمه الله :[ ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً، ويرد هذا على هذا، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل ] سير أعلام النبلاء 19/342 .
أيها الناس تأدبوا مع العلماء ، واعرفوا لهم مكانتهم ، فما فاز من فاز إلا بالأدب، وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب، واعلموا أن الأمة لا تحترم ولا تقدر إلا من يحترم العلماء والأئمة، قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء :[ إنما نحترمك ما احترمت الأئمة ].
وأخيراً أختم بكلمة نيرة مضيئة قالها الحافظ ابن عساكر يرحمه الله :[ اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته: أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ).

وللمزيد طالع هذه الفتاوى:

ـ وزر التطاول على العلماء.

ـ هجر أهل الأهواء ومنتقصي قدر العلماء.

ـ القدح في العلماء.

والله أعلم.

رابط ذا صلة:

ـ سيد قطب.. وحقيقة طعنه في الصحابة

حرر هذه الفتوى: الدكتور: السيد صقر، المدرس بجامعة الأزهر.


الوسوم: ,