السؤال:

ما قول الشريعة في الرضاع المحرم للزواج ؟ وكم عدد الرضعات التي يثبت بها التحريم ؟ وهل لبَن المرأة يُعتبر ملكًا لزوجها ؟ وبم يثبت الرضاع ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

 

فالرضاع الذي يَحرُم به الزواج هو ما أنبت اللحم وأنشز العظم، وإذا اجتمع اثنانِ على ثدي في مدة الرضاع حرُم التزاوُج بينهما ، ولا تتوقف حُرمة الزواج بالرضاع على اختلاف زوج المُرضعة ، والإخبار بالرضاع

إنْ صدَق وجَب التفرُّق وفسد الزواج، وإن كذب لا يحرم إلا بالشهادة الكاملة “شهادة رجلين أو رجل وامرأتين”.

 

 

يقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :

 

إن القرآن الكريم قد ذكر التحريم بالرضاع بعد أن ذكر التحريم بالنسب؛ فقال أولاً: (حُرِّمَتْ عليكمْ أُمَّهاتُكمْ وبناتُكمْ وأَخواتُكمْ وعمَّاتُكمْ وخالاتُكمْ وبناتُ الأخِ وبناتُ الأُخْتِ). ثم قال: (وأُمَّهَاتُكمْ اللاتي أرْضَعْنَكُمْ

وأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ). فَصَّلَ مُحرَّمات النسب وحصرها في سبعة أصناف. ثم أجمل في المُحرمات بالرضاع، وذكَر منها صنفينِ هما: “الأمهات والأخوات”.

 

 

وجاء الحديث الصحيح المشهور، وهو قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: “يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحرُمُ مِنَ النَّسَبِ”. مُبيِّنًا أن الصنفينِ اللذينِ ذُكرَا في التحريم بالرضاع يتناولان الأصناف السبعة التي ذُكرتْ في

التحريم بالنسب، فالأمهات يَلْحَقُ بِهِنَّ العَمَّاتُ والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. ومعنى هذا أن كل ما تحقَّق بينهما بالرضاع عنوان صنف مِن هذه الأصناف، كان الرضاع محرمًا بينهما، وعليه يحرُم بالرَّضاع

الأمهاتُ والبنات والأخوات والعمَّات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأُخت

 

 

القدْر المُحَرِّمُ من الرضاع:

 

وكذلك يجدر بنا أن نُجمل مذاهب العلماء في قدْر الرضاع الذي يُحرم الزواج بين الرضيعينِ. وقد كثُرت المذاهب في هذه المسألة تبعًا لاختلاف النظر في الآية مع الأحاديث التي وردتْ في قدْر الرضاع،

فمِن الأئمة مِن رأَى أن قليل الرضاع ـ ولو قَطْرة واحدة تصل إلى الجوْف ـ وكثيرُه سواء في التحريم، ومنهم مَن رأى أن المُحرِّم ثلاث رضعات فأكثر، ومنهم من رأى أن المحرِّم خمس رضعات فأكثر، ومنهم

مَن رأى أن المُحرِّم سبْع رضعات، وهكذا إلى خمس عشرة رضعة، وكان مَنْشَأُ هذا الخلاف كثرة الأحاديث المُتعارضة في هذا الشأن، وحُكم كل ذي رأيٍ في الرضاع ما صحَّ عنده من الأحاديث.

 

 

دلالة كلمة أمهاتكم في الآية:

 

ولكن لم نَرَ منهم مَن عرَّج نحو دلالة كلمة: (وأُمَّهَاتُكمْ اللاتي أرْضَعْنَكُمْ)، على قدْر الرضاع المُحرم. ولا شك أن عنوان: “الأمهات” يُعطي أن مدة الرضاعة امتدت وقتًا شعرت منه المُرضعة بمَعنى الأُمومة

للرضيع، ولا شك أن هذا الوقت ـ الذي يتحقَّق به معنى العطف والحُنُوُّ والشوْق من المُرضعة للرضيع ـ ليس هو وقت “القطرة” ولا هو “وقت ثلاث رضعات”، ولا هو وقت: “خمس رضعات”، وخاصة إذا قدَّرنا

أن الرضاع المُحرم هو ما يكون في حولينِ أو أكثر، كما يذهب إليه بعض العلماء.

 

 

فالخمس رضعات، أو الرضعات المعدودات، لا يُمكن أن تُحدث معنى الأمومة عند المُرضعة، متى لُوحظ تفرُّقها على الحولينِ أو أكثر منهما. وهذه ناحية أَعرضها للبحث الذي يُستعان فيه برأي الأطباء

الواقفينَ على المقدار الذي يَنْبُتُ فيه اللحم، وينشز العظم. ونرجو أن يصل العلماء إلى ما يَرفع اختلاف المعنيينِ في هذه المسألة التي كثيرًا ـ كما رأيت بنفسي ـ ما تُحدث عُقَدًا نفسية بين الزوجين،

حينما يُخبَرانِ بأن فلانةً أرضعتهما.

 

 

وإذا كان جمهور العلماء اليوم يُفتون برأي الشافعية ـ نظرًا إلى أنه المتوسط بين الآراء، وهو أن المقدار المُحرِّم “خمس رضعات فأكثر” ـ فإن كثيرًا من المُفتين الذين يَسألون يُزعجون الأُسر الهادئة بأن قليل

الرضاع وكثيره سواء في التحريم، والواقع أن مسألة التحريم بالرَّضاع على الوجه المذكور به في الكتب في حاجة إلى التمحيص، واختيار الأوْفق والأيسر والأبعد عمَّا يُثير في نفوس الأسَر الزعزعة

والاضطراب.

 

 

اتِّحادُ زمن الرضاعة

 

وإذا تجاوزنا المقدار المُحرِّم في الرضاع أو اخترنا مذْهب الشافعي فيه، وقلنا: إن المُحرِّم هو خمس رضعات فأكثر، فإن التحريم يثبت بين الرضيعينِ من المرضعة الواحدة، سواء اتَّحَد زمنُ رضاعتهما منها أم

اختلف، وسواء أكان زوج المرضعة واحدة بأن أرضعتهما وهي تحت زوج واحد أم تعدَّد، بأن أرضعت الولد وهي تحت زوج، ثم مات عنها أو طلقها، وأرضعت البنت وهي تحت الزوج الثاني فهي في الحالتينِ

أُمهما معًا، وهما أخوانِ لأمٍّ من الرضاعة، والأخوات بجميع نواحيها رَضاعًا كالأخوات نَسَبًا في تحريم الزواج. وإذنْ، فلا قيمةَ لاختلاف الزوج في التحريم وعدمه. ومن المعروف أن كل اثنينِ اجتمعَا على ثَدْيٍ

واحد لم يجز لهما أن يتزاوجَا.

 

 

الإخبار بالرضاع:

 

وكثيرًا ما يتَّفق أن يحصل الزواج والدخول بين اثنينِ، وهما لا يَعلمانِ رَضاعًا بينهما، ثم تُخبر به امرأة، وتقول لهما: قد أرضعتُكما، والحُكم في هذه الحالة على تصديقهما إيَّاها أو عدمه، فإنْ صدَّقاها ولم

يُنكرا عليها فسد الزواج ووجب عليهما أن يفترقَا، أو التفريق بينهما وإنْ لم يفترقَا بأنفسهما، أما إن كذَّباها وأنْكرَا قولها، أو تشكَّكا في صحته فإن الرضاع لا يثبت إلا إذا قامت عليه حُجة شرعية، وهي

“شهادة رجلين أو رجل وامرأتين” وبدون هذه الشهادة لا يثبت الرضاع شرعًا، ولا يفسد الزواج ولا يجب التفريق.

 

 

المبادئ العامة:

 

لا يَحرُم من الرَّضاع إلا خمس رضعاتٍ فأكثر .

 

إذا اجتمع اثنانِ على ثدي بخمس رضعات فأكثر في مدة الرضاع، وهي حولانِ كاملان، حرُم التزاوُج بينهما.

 

لا تتوقف حُرمة الزواج بالرضاع على اختلاف زوج المُرضعة.

 

الإخبار بالرضاع إنْ صدَق وجَب التفرُّق وفسد الزواج، وإن كذب لا يحرم إلا بالشهادة الكاملة “شهادة رجلين أو رجل وامرأتين”.

 

والله أعلم .


الوسوم: , , , ,