السؤال:

أريد أن أؤدِّيَ الحج والعمرة معًا في سَفرة واحدة فكيف أقوم بهما؟

الجواب:

قال تعالى: (وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمرةَ للهِ) (سورة البقرة : 196) فالحجُّ واجب على كل مستطيع في العمر مرة واحدة، كما أن العمرة واجبة عند الشافعي وأحمد وسُنَّة عند أبي حنيفة ومالك.

وأعمال العُمرة تؤدَّى داخل مكة، فهي طَواف بالبيت وسعي بين الصَّفا والمروة، ثُم تحلُّل منها بحلق الشَّعر أو تقصيره، أما أعمال الحجِّ فتؤدَّى في مكة بالطَّواف والسعي والحلق، وخارج مكّة بالوقوف بعرفةَ والمَبيت بمزدلَفة وبمنَى ورمي الجَمَرات فيها.

والذي يقصد بيت الله في أشهر الحجِّ ـ شوال وذي القعدة وذي الحجة ـ ويريد أن يؤدِّيَ الحجّ والعمرة له أن يختارَ في إحرامه إحدى الكيفيات التالية:
الأولى: أن ينويَ أداء العمرة فقط، بعد أن يلبِس ملابس الإحرام وقبل أن يصلَ إلى الميقات، فإذا وصل مكة طاف سبعًا بالبيت، ثم سعي سبعًا بين الصفا والمروة، ثم حلق بعض شعره أو قصره.

وبهذا تمت عمرته، ويخلع ملابس الإحرام ويلبس ملابسه العادية، ويتمتع بما كان محظورًا عليه أثناء الإحرام، من مثل الطِّيب وقصّ الشّعر والأظافر والاتصال الجنسي.
وعليه مقابل ذلك أن يذبحَ شاةً، لقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمرةِ إلى الحَجِّ فمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ) (سورة البقرة : 196).

وعندما يحين الخروج إلى عرفات يُحرِم بالحج من المكان الذي هو فيه بعد أن يلبَس ملابس الإحرام، ثم يقف بعرفة ويفيض منها إلى المزدلفة بعد المغرب، ويمكُث بها مدة بعد منتصف الليل، ثم يصبح يوم العيد في منى ويرمي جمرة العقبة، وهي الكبرى، ثم يقصُّ بعض شعره، وهنا يجوز له أن يَخلَعَ ملابس الإحرام ويَلبَسَ الملابس العادية ويمكث في منًى ثلاثة أيام لرمي الجمار، أو يذهب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، ويَسعَى بين الصفا والمروة يوم العيد، ثم يعود إلى منى ليبيت فيها ويرمي الجمرات وهذه الكيفيّة وهي تقديم العمرة على الحجِّ في أشهره تسمّى بالتمتُّع.

الثانية: أن يَنويَ قبل الوصول إلى الميقات الإحرام بالحجِّ فقط، وعند وصوله مكّة يطوف طواف القدوم – وهو سُنّة –  ويسعى بين الصفا والمروة إن أراد ، ويمكث ملتزِمًا للإحرام حتى يقف بعرفة ويتمِّم أعمال الحج بالمبيت بمزدلفة ورمي الجمرات والمبيت بمنى والطواف، والسعي إن لم يكن سَعى بعد طواف القدوم، وبالحلق أو التقصير.
وهذه الكيفيّة من الإحرام تسمّى الإفرادَ.
وبعد أن ينتهي من الحجِّ يمكن أن يُحرِم بالعمرة من مسجد عائشة بالتنعيم، ويؤدّي أعمالها المعروفة وليس عليه في هذه الكيفية هدي.

الثالثة: أن يَنويَ الحجَّ والعمرة معًا في إحرام واحد قبل الميقات، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم وسعى ووقف بعرفة، وبات بالمزدلفة ورمى جمرة العقبة صباح يوم العيد ثم حلق ثم طاف طواف الإفاضة، وسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، ثم كمل أعمال الحج برمي الجمرات والمبيت بمنى، وهذه الكيفيّة من الإحرام تسمَّى “القِران” وفيها هدي كهدي التمتع، لأنه طاف طوافًا واحدًا ـ سبعة أشواط ـ وسعى سعيًا واحدًا ـ سبعة أشواط ـ عن الحج والعمرة معًا، ففي مقابل راحته بعدم تَكرار الطّواف والسعي يلزَمه الهديُ.

والإنسان حرّ في أن يختار أية كيفيّة من هذه الكيفيات، حسب ظروفه وحالته الصحية أو المالية أو غيرها، والمهم أنه أدَّى النُّسُكين في رحلة واحدة، وبَرِئَتْ ذمته من أداء الواجب وإن كان الفقهاء اختلفوا في أيها أفضل بناء على اختلافهم في حج الرسول، وإن صحح بعضهم أنه كان قارنًا لأنه ساق الهدي، فذهبت الشافعيّة إلى أن الإفراد والتمتُّع أفضل من القِران، لأن المُفرِد والمُتمتِّع يأتي بكلٍّ من النُّسُكين بكمال أفعاله، أما القارِن فيقتصر على عمل الحجِّ وحده، وفي التفاضُل بين التمتع والإفراد قولان.
والحنفيّة قالوا: القران أفضل من التمتع والإفراد، والتمتُّع أفضل من الإفراد.
والمالكيّة قالوا: الإفراد أفضل من التمتُّع والقِران.
والحنابلة قالوا: التمتُّع أفضل من القِران ومن الإفرادِ ، لأنه الأيسرُ، وقد تمَنّاه النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما رواه مسلم عن جابر أن أصحاب النبي في حجِّهم معه أحرَموا بالحج وحده، أي مفرِدين، فلمّا كان صُبح الليلة الرابعة من ذِي الحجّة أمرَهم أن يحلّوا من الإحرام أباح لهم أن يأتوا نساءَهم قُبيل الوقوف بعرفة، ثم خطب فيهم فقال: “قد علمتم أنِّي أتقاكم وأصدقكم وأبرُّكم، ولولا هَديي لَحللْتُ كما تحلّون، ولو استقبلتْ من أمري ما استدبرتُ لم أسق الهدي، فحلوا” فحللْنا وسمعنا وأطعنا.