السؤال:

أنا شاب أحاول أن أنصح الناس بدين الله من خلال مواقع التواصل الإجتماعي، وقد نصحت إحدى الفتيات والحمد لله هداها الله، فهل يجوز لي أن أتابع معها التذكير بالله حتى تبقى على الالتزام،كما أرجو توضيح هل مجال دعوتي للنساء عبر مواقع التوصل الإجتماعي فيه شيء أو حتى متابعتي لهم.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وجزاكم الله خيرا، وبعد..

فإن ما تفعله ليس حراما إن شاء الله ؛ ما دمت تحرص على الالتزام التام بالآداب ، والاقتصار على الضرورة والحاجات المعتبرة وبقدرها.

ولكن الأولى بك ترك هذه المحادثات معها والاقتصار على الرسائل البريدية ( الإيميل) للتناصح والتشجيع بين الحين والحين لا بصفة مستمرة ولا لفترات قريبة جدا.

فطالما أنك دعوتها وكنت سببا في التزامها فاحمد الله تعالى ولا تترك نفسك تنجر وراء الهوى ، واحرص على دعوة غيرها من الرجال والشباب ، فذلك أفضل لك وأسلم.

فالمحادثة بين الذكور والإناث ليست محرمة في ذاتها ما لم تخرج عن قواعد الأدب وحدود الأخلاق والالتزام بالأدب ، وأهمه الغض من البصر، وعدم الخضوع بالقول وتليينه وتنغيم نبرات الصوت، وبدون قول ما لا يحسن قوله ويكره اطلاع الغير عليه ، إذا كان هناك ما يدعو إليها ، أو كان الهدف منها هو التعرف من أجل الزواج ،  وأمنت مع هذا الفتنة وحسنت النية ولم يكن المقصود منها التلذذ بالحديث مع النساء أو الافتخار بالتعرف عليهن ، ونحو ذلك مما لا يحمد شرعا.

ولكن مع هذا ينبغي عدم الإكثار من هذا التحدث عند الحاجة والاقتصار على قدر الحاجة ، والحاجة كل ما يحتاجه الإنسان من مصالح الدين والدنيا ، وهذه الحاجة لا توجد إذا كان هناك ما يغني عنها ، كأن يوجد من الذكور من يغني الحديث معه عن الحديث مع الإناث، وخاصة بين الشباب، والأولى على كل حال سد باب الفتنة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ).
وحديث الشاب مع الفتاة الأجنبية بدون سبب قلة حياء وأدب.

وإنني أنصح الشباب ألا يشغل نفسه بمحادثة النساء ما لم تكن هناك حاجة داعية إليها مع أمن الفتنة، والاكتفاء بالحديث مع الذكور أمثالهم، كما يقتصر النساء والفتيات على الحديث مع أمثالهن.

يقول الشيخ نظام يعقوبى ، علامة البحرين:

العبرة في الحكم بالجواز أو عدم الجواز ليست في الوسيلة الناقلة للخطاب، ولكن في مضمون الخطاب نفسه، وما إذا كان هذا المضمون منضبطاً بضوابط الشرع أم لا، وحيث إن هذه الوسيلة، وسيلة البريد الإليكتروني، تتيح لمستخدمها قدراً كبيراً من الخصوصية والبعد عن الرقيب وحرية التعبير والمراسلة بمختلف أنواع المصنفات الفنية، الصوتية والمرئية، فإنها تصبح أكثر إغراء من غيرها على التمادي والغواية، والاقتراب من خطوات الشيطان وقد نهانا الله تعالى عن اتباع خطوات الشيطان فقال تعالى {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، فالأولى الابتعاد عن ذلك، حتى لا ينجر المرء إلى ما بعد ذلك ؛ من التدرج في موضوعات المراسلة إلى ما نهى الله عنه، فعندما نهانا الله تعالى عن الزنا نهانا عنه وعن مقدماته وعما يقربنا إليه فقال تعالى {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا}. ولا نقول هنا أن مثل هذه المراسلات ستؤدي بالقطع إلى الوقوع في الزنا والعياذ بالله، ولكنها تظل مظنة الوقوع فيما لا يرضي الله.

وإذا كان لا بد للمرء أحياناً من المراسلة بغرض التبادل الثقافي والمعرفي في هذا الزمن الذي بدأت فيه وسيلة الإنترنت تحتل حيزاً كبيراً في حياة الناس، فالأولى أن تكون المراسلة بين أفراد من جنس واحد،ما لم يكن هناك ضرورة خاصة تقتضي المراسلة مع الجنس الآخر، كما هو الأمر بين الخاطبين ،وفي هذه الحالة يجب التأدب والاحتياط خشية الوقوع فيما يغضب الله. (انتهى).

ويقول الدكتور القرضاوي:

الكلام بالمعروف لا ينكر شرعًا، والله تعالى قد قال: “يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض…”، فما دام الكلام مشروعًا، وليست هناك خلوة، وكان الكلام في موضوعات نافعة مما يهم الطرفين، كأن يكونا مشغولين في الأدب فيتحدثا فيها أو في شؤون المسلمين، وغيرها إذا لم يُخْشَ من وراء ذلك فتنة، وكل إنسان أدرى بنفسه، لا ينبغي أن يكون همُّ الشاب الحديث مع الفتيات فقط، ولا يتحدث مع مثله من الشباب، وكذلك لا يكون همُّ الفتاة أن تتحدث مع الشباب، ولا تتحدث مع مثيلاتها من الفتيات، فهنا ينبغي التفتيش في دخائل النفس؛ ليعرف الإنسان حقيقة اتجاهاتها، ولا يخدع نفسه بما يعلم أنه يخالف الحقيقة، وإذا انتهت هذه العلاقة بالزواج فلا بأس بذلك

ويقول أيضا : إذا كان الكلام في حدود المعروف فلا مانع منه، الممنوع هو الخلوة أو التبرج أو التلاصق والتماس، أو الخضوع بالقول: “فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا”، القول المعروف من الرجل ومن المرأة لا حرج فيه شرعًا، إلا إذا خيف من وراء ذلك فتنة تبدو دلائلها، فإذا لم تخف أي فتنة ولم تدل على ذلك أي دلالة فالأصل الإباحة (انتهى) .

ويقول الشيخ فيصل مولوي ، نائب رئيس المجلس الفقهي الأوربي:

إن الحديث بين الذكور والإناث أمر مباح من حيث الأصل الشرعي، بل هو أمر فطري يترتب على طبيعة الحياة الإنسانية التي تتناول الذكر والأنثى، وتجعل التعاون والتكامل بينهما أمراً طبيعيًّا

إلا أن هذا الحديث إذا خرج عن حدود الحاجة والأدب، ودخل دائرة الحرام فهو بطبيعة الحال حرام، والحرمة هنا تتعلق بموضوع هذا الحديث وليس بأصله، فحين يتناول أمورًا حرمها الله عز وجل، كالبحث في المسائل الجنسية أو غيرها فهو بلا شك حرام، وإذا كان الحديث من قبيل اللغو الذي لا فائدة منه فهو مكروه، لقوله تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا”، وهذا اللغو يكون عادة بين رجل ورجل أو بين امرأة وامرأة، أما اللغو بين رجل وامرأة وهو الحديث الذي لا فائدة منه ولا حاجة إليه، فهو إلى الحرام أقرب؛ لأنه يفتح الطريق أمام كلام آخر يكون حراماً صرفاً؛ ولذلك فإني أحذر إخواني المسلمين وأخواتي المسلمات من أي حديث مباشر على الإنترنت بين رجل وامرأة، إلا إذا كان في موضوع ضروري أو مفيد ، أو كان بين الخاطبين في حدود الأدب( انتهى).

ويقول الشيخ عطية صقر ، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا، رحمه الله :

تحدث العلماء والأدباء عن الصداقة كأحد الأسباب التي يسعد بها الإنسان في حياته لأنه لا يستغني عنها حيث أنه مدني بطبعه، وممن أفاض في توضيح ذلك أبو الحسن البصري في كتابه “أدب الدنيا والدين” فقال: “إن أسباب الألفة خمسة، هي الدين والنسب والمصاهرة والمودة والبر، وتحدث عن الصداقة التي وصفها الكندي بقوله “الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك، وارشد إلى حسن اختيار الأصدقاء وفي ذلك يقول عدي بن زيد:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي

إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم …ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

والاختيار أساسه العقل الموفور عند الصديق، ودين يدعو إلى الخير، وأخلاق حسنة، ولابد أن يكون بين الصديقين الرغبة والمودة.

وإذا كانت هذه آداب، الصداقة بين الجنس الواحد فهل الصداقة بين الجنسين بهذه الصورة؟.

إن الصداقة بين الجنسين لها مجالات وحدود وآداب فمجالها الصداقة بين الأب وبناته والأخ وأخوته، والرجل وعماته، وخالاته، وهي المعروفة بصلة الرحم والقيام بحق القرابة، وكذلك بين الزوج وزوجته، وفي كل ذلك حب أن ضعفت قوته فهي صداقة ورابطة مشروعة، أما في غير هذه المجالات كصداقة الزميل لزميلته في العمل أو الدراسة، أو الشريك لشريكته في نشاط استثماري مثلا، أو صداقة الجيران أو الصداقة في الرحلات وغير ذلك، فلابد لهذه الصداقة من التزام كل الآداب بين الجنسين، بمعنى ستر العورات والتزام الأدب في الحديث، وعدم المصافحة المكشوفة، والقبل عند التحية، وما إلى ذلك مما يرتكب من أمور لا يوافق عليها دين ولا عرف شريف، والنصوص في ذلك كثيرة في القرآن والسنة لا يتسع المقام لذكرها.

إن الصداقة بين الجنسين في غير المجالات المشروعة تكون أخطر ما تكون في سن الشباب، حيث العاطفة القوية التي تغطي على العقل، إذا ضعف العقل أمام العاطفة القوية كانت الأخطار الجسيمة، وبخاصة ما يمس منها الشرف الذي هو أغلى ما يحرص عليه كل عاقل من أجل عدم الالتزام بآداب الصداقة بين الجنسين في سن الشباب كانت ممنوعة، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار، ومن تعاليمه البعد عن مواطن الشبه التي تكثر فيها الظنون السيئة، والقيل والقال، ورحم الله امرأ ذب الغيبة عن نفسه.

ولا يجوز أن ننسى أبدا شهادة الواقع لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم “ما تركت بعدي فتنة أضر على الرحال من النساء” رواه البخاري ومسلم.

والله أعلم.