السؤال:

ما يجب على المسلم في مسائل الخلاف؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

الواجب على المسلم في مسائل الخلاف أنه إن كان عنده أهلية النظر في النصوص فإنه يعمل بما ترجح عنده بالدليل، وإن لم يكن له أهلية النظر فإنه يسأل من يثق بدينه وعلمه وأمانته، فإذا أفتاه عمل بفتواه لقول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، ولا ينبغي تكرار السؤال واستفتاء جهة أخرى ما لن تقع الريبة في صحة الفتوى، فالذي يفتيه عالم أو جهة ثقة فيجد الجواب صعبا عليه فيسأل غيره ليجد الأيسر فهو على خطر.

ولكن لو حصل واختلفت فتوى جهتين موثوقتين فعليه أن يعمل بالرأي الذي يطمئن قلبه وينشرح صدره إلى أنه الحق والصواب ، وإلا فأولى له أن يأخذ بالأحوط ، ولا مانع من أخذه بالأيسر. أما أن يأخذ بالأيسر لمجرد أنه أيسر دون أن يطمئنإلى أنه الصواب فلا ينبغي له.

وبالنسبة لك أخي الكريم فالأولى أن تذكر لك موضوع الفتوى، وتذكر لنا الإجابتين عليها، فربما كان ذلك طريقا إلى توحد القول فيها، فربما لم نفهم ملابسات الموضوع وفهمته الدار، أو العكس، وربما نظرنا في أدلتهم فرجعنا عن قولنا إلى قولهم إن رأيناه أقوى دليلا أو أيسر عليك مع موافقة الشرع.

يقول فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد -من علماء السعودية- :
قبل الجواب على هذا السؤال، لا بد أولاً من بيان الشروط التي يجب أن تتوفر في المفتي حتى يكون من أهل العلم الذين تعتبر أقوالهم، ويعد خلافه خلافا بين العلماء، وهي شروط كثيرة، ترجع في النهاية إلى شرطين اثنين وهما :

1. العلم. لأن المفتي سوف يخبر عن حكم الله تعالى، ولا يمكن أن يخبر عن حكم الله وهو جاهل به.

2. العدالة . بأن يكون مستقيما في أحواله ، ورعا عفيفا عن كل ما يخدش الأمانة . وأجمع العلماء على أن الفاسق لا تقبل منه الفتوى، ولو كان من أهل العلم كما صرح بذلك الخطيب البغدادي.
فمن توفر فيه هذان الشرطان فهو العالم الذي يعتبر قوله، وأما من لم يتوفر فيه هذان الشرطان فليس هو من أهل العلم الذين تعتبر أقوالهم، فلا عبرة بقول من عُرف بالجهل أو بعدم العدالة.

ويقول فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن موقف المسلم من اختلاف العلماء الذين سبقت صفتهم :
إذا كان المسلم عنده من العلم ما يستطيع به أن يقارن بين أقوال العلماء بالأدلة، والترجيح بينها، ومعرفة الأصح والأرجح وجب عليه ذلك، لأن الله تعالى أمر برد المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة، فقال : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [النساء/59].

فيرد المسائل المختلف فيها للكتاب والسنة، فما ظهر له رجحانه بالدليل أخذ به، لأن الواجب هو اتباع الدليل، وأقوال العلماء يستعان بها على فهم الأدلة.

وأما إذا كان المسلم ليس عنده من العلم ما يستطيع به الترجيح بين أقوال العلماء، فهذا عليه أن يسأل أهل العلم الذين يوثق بعلمهم ودينهم ويعمل بما يفتونه به، قال الله تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء/43].
وقد نص العلماء على أن مذهب العامي مذهب مفتيه.

فإذا اختلفت أقوالهم فإنه يتبع منهم الأوثق والأعلم، وهذا كما أن الإنسان إذا أصيب بمرض –عافانا الله جميعا– فإنه يبحث عن أوثق الأطباء وأعلمهم ويذهب إليه لأنه يكون أقرب إلى الصواب من غيره، فأمور الدين أولى بالاحتياط من أمور الدنيا.
ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من أقوال العلماء ما يوافق هواه ولو خالف الدليل، ولا أن يستفتي من يرى أنهم يتساهلون في الفتوى.
بل عليه أن يحتاط لدينه فيسأل من أهل العلم من هو أكثر علماً، وأشد خشية لله تعالى.
كما لا يجوز لمسلم أن يتتبع زلات العلماء وأخطاءهم، فإنه بذلك يجتمع فيه الشر كله، ولهذا قال العلماء : من تتبع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم، تزندق، أو كاد. اهـ. والزندقة هي النفاق.

والله أعلم.