السؤال:

كتبت باحثة في بحثها أن الختان ضرر للأجساد، هل قولها هذا صحيح؟ أفيدونا بالتفصيل في هذا الموضوع، وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فهذه الباحثة غير حيادية، والظاهر أنها غير مبالية بما سبقها من أبحاث أثبتت عكس ما تدعي هي، وعلى فرض صحة هذا البحث فإن في ترك الختان -وخاصة للذكور- أضرار تفوق منافعه أضعافا كثيرة، والحكم للغالب، فما من شيء يكون نفعه خالصا، ولا من شيء يكون ضرره خالصا، فما كان ضرره أكبر من نفعه منع، والعكس صحيح، ومن أجل هذا حرم الله الخمر والميسر تحريما قاطعا، مع إخباره تعالى أن فيهما بعض المنافع، فقال تعالى : “يسألونك عن الخمر والميسر ، قل : فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما”. ثم قال تعالى : “إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”. صدق الله العظيم.

والذي يترك الختان لا بد أن يصيبه ضرر ما، ولا يعني عدم ظهور هذا الضرر على بعض من ترك الختان أنه لم يتضرر، وعلى فرض أنه وجد بعض الأفراد الذين لم يصبهم ضرر فإن هذا لا يغير من الأمر شيئا، إذ العبرة بالغالب، والنادر القليل لا حكم له، كما هو مقرر.

والقول بقطع صلة الختان بالإسلام قول مفترى واضح الكذب، فالختان ثابت في البخاري ومسلم ، أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وأجمع عليه المسلون.

وكون الختان معروفا ومتبعا من قبل الإسلام يؤكد أنه فطرة إنسانية ينبغي للإنسان الحرص عليها وإن لم يأمره بها دين.

ولم يثبت عن سيدنا عمر بن عبد العزيز ذلك القول المنسوب إليه في البحث زورا وبهتانا.

إن هذه الباحثة لا يعتد بقولها ولا يعتبر عند عامة المسلمين، فإنها بحثها مشبوه ، ويدل على ذلك إهداؤها الذي توجهت به إلى من هو معلوم أنهم من المنبوذين فكريا وغير مقبولين عند عامة علماء المسلمين.

وإليك فوائد الختان كما ثبت بالأبحاث العلمية أيضا :

الختان من سنن الفطرة، والفطرة هي ما جبل عليه الإنسان في أصل الخلقة من الأشياء الظاهرة والباطنة، فهناك فطرة باطنة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله وتوحيده ومحبته، وهناك فطرة عملية ظاهرة تتعلق بالبدن وهي خصال الفطرة الخمس التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : ( الفطرة خمس أو خمس من الفطرة : الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب)، فالفطرة الباطنة تزكي الروح وتطهر القلب، والفطرة الظاهرة تطهر البدن، والختان على رأس هذه الخصال كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله، وهو أخذ القلفة أوالجلدة التي تكون على رأس القضيب.

وإضافة إلى كون الختان من سنن المسلمين وأحد خصال الفطرة كما سبق، فقد أثبتت الدراسات والأبحاث فوائده الطبية بما لا يدع مجالا ًللشك، الأمر الذي دعا الغرب اليوم إلى إدارك أهميته والحاجة إليه.

إذ إن بقاء هذه القلفة يكون بمثابة المستنقع الذي تنمو فيه عوامل الأمراض، ويغذيها البول بنجاسته فتتنتعش وتتكاثر، حتى تتكون مادة بيضاء مترسبة هي نتيجة بقايا الجراثيم والفطور وإفرازات الغدد الدهنية والعرقية، مع توسْفات النسيج المخاطي وترسبات البول ومحتوياته ، فتدخل هذه المواد من صماخ البول عند من لم يختتن وتلج إلى الإحليل ومنه إلى المثانة ثم إلى الكلية، وقد تتابع طريقها إلى البروستات أو الخصية والبربخ، وربما سببت العقم عند الرجال نتيجة لالتهاب الخصية والبربخ.

والختان أيضاً يقي بإذن الله من الإصابة بسرطان القضيب حيث يؤكد الدكتور روبسون في مقال له : أن هناك أكثر من 60 ألف شخص أصيب بسرطان القضيب في أمريكا منذ عام 1930، ومن العجيب أن عشرة أشخاص فقط من هؤلاء كانوا مختونين.

وهو من أهم أسباب وقاية الأطفال من التهاب المجاري البولية، فقد أثبتت دراسة أجريت على حوالي نصف مليون طفل في أمريكا أن نسبة حدوث التهاب المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين بلغت عشرة أضعاف ما هي عليه عند المختونين، والتهاب المجاري البولية قد لا يكون أمراً سهلاً فقد وجد الباحثون أن 36 % من المصابين بالتهاب المجاري البولية قد أصيبوا في نفس الوقت بتسمم الدم، كما حدثت حالات الفشل الكلوي عند بعضهم.

وحتى الأمراض الجنسية تكون أكثر شيوعا عند غير المختونين، فقد ذكر الدكتور فنك – الذي ألف كتاباً عن الختان وطبع عام 1988 في أمريكا – أن هناك أكثر من 60 دراسة علمية أجمعت على أن الأمراض الجنسية تزداد حدوثا عند غير المختونين.

كل هذه الدراسات والأبحاث العلمية التي تؤكد فوائد الختان وضرورته جعلت الغرب يعيد حساباته ويراجع مواقفه، حتى إن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تراجعت تماما عن توصياتها القديمة، وأصدرت توصيات حديثة أعلنت فيها بصراحة ووضوح ضرورة إجراء الختان بشكل روتيني على كل مولود، ووصل عدد الأطفال الذين يختتنون كل عام في أمريكان إلى مليون طفل.

هذه بعض فوائد الختان الذي عدَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد السنن التي تدعو إليها الفطرة السليمة، والتي جاءت مكتشفات العلم الحديث بتصديقها وإقرارها ، ولا يزال العلم كل يوم يكشف المزيد من الأسرار التي جاءت بها السنة النبوية، فصلوات الله وسلامه على معلم البشرية وهادي الإنسانية.

ففي عام 1990 كتب البروفيسور ويزويل :  “لقد كنت من اشد أعداء الختان و شاركت في الجهود التي بذلت عام 1975 ضد إجرائه، إلا أنه في بداية الثمانينات أظهرت الدراسات الطبية زيادة في نسبة حوادث التهابات المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين، و بعد تمحيص دقيق للأبحاث التي نشرت، فقد وصلت إلى نتيجة مخالفة وأصبحت من أنصار جعل الختان أمراً روتينياً يجب أن يجري لكل مولود “.

نعم ! لقد عادت الفطرة البشرية لتثبت من جديد أنها الفطرة التي لا تتغير على مدى العصور، وأن دعوة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليتحلى المؤمن ويتخلق بخصال الفطرة هي دعوة حق إلى سعادة البشر جميعاً.

الحكم الصحية من ختان الذكور :

أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن أمراضاً عديدة في الجهاز التناسلي بعضها مهلك للإنسان تشاهد بكثرة عند غير المختونين بينما هي نادرة معدومة عند المختونين.

1 ـ الختان وقاية من الالتهابات الموضعية في القضيب : فالقلفة التي تحيط برأس القضيب تشكل جوفاً ذو فتحة ضيقة يصعب تنظيفها، إذ تتجمع فيه مفرزات القضيب المختلفة بما فيها ما يفرز سطح القلفة الداخلي من مادة بيضاء ثخينة تدعى “اللخن ” Smegma وبقايا البول والخلايا المتوسفة والتي تساعد على نمو الجراثيم المختلفة مؤدية إلى التهاب الحشفة أو التهاب الحشفة و القلفة الحاد أو المزمن والتي يصبح معها الختان أمراً علاجياً لا مفر منه وقد تؤدي إلى التهاب المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين.

وتؤكد دراسة د.شوبن أن ختان الوليد يسهل نظافة الأعضاء الجنسية ويمنع تجمع الجراثيم تحت القلفة في تفرة الطفولة، وأكد د.فرغسون أن الأطفال غير المختونين هم أكثر عرضة للإصابة بالتهاب الحشفة وتضيق القلفة Phemosis من المختونين.

2 ـ الختان يقي الأطفال من الإصابة بالتهاب المجاري البولية : وجد جنز برغ أن 95% من التهابات المجاري البولية عند الأطفال تحدث عند غير المختونين. ويؤكد أن جعل الختان أمراً روتينياً يجري لكل مولود في الولايات المتحدة منع حدوث أكثر من 50 ألف حالة من التهاب الحويضة والكلية سنوياً عند الأطفال. وتؤكد مصادر د. محمد علي البار الخطورة البالغة لالتهاب المجاري البولية عند الأطفال وأنها تؤدي في 35% من الحالات إلى تجرثم الدم وقد تؤدي إلى التهاب السحايا والفشل الكلوي.

3 ـ الختان و الأمراض الجنسية : أكد البروفيسور وليم بيكوز الذي عمل في البلاد العربية لأكثر من عشرين عاماً، وفحص أكثر من 30 ألف امرأة، ندرة الأمراض الجنسية عندهم وخاصة العقبول التناسلي والسيلان والكلاميديا والتريكوموناز وسرطان عنق الرحم، ويُرجع ذلك لسببين هامين ندرة الزنى وختان الرجال.

ويرى آريا وزملاؤه أن للختان دوراً وقائياً هاماً من الإصابة بكثير من الأمراض الجنسية وخاصة العقبول والثآليل التناسلية. كما عدد فنك  Fink أكثر من 60 دراسة علمية أثبتت كلها ازدياد حدوث الأمراض الجنسية عند غير المختونين.

وأورد د. ماركس Marks خلاصة 3 دراسات تثبت انخفاض نسبة مرض الإيدز عند المختونين، في حين وجد سيمونس وزملاؤه أن احتمال الإصابة بالإيدز بعد التعرض لفيروساته عند غير المختونين هي تسعة أضعاف ما هو عليه عند المختونين.

أليس هذا بالأمر العجيب؟

حتى أولئك الذين يجرؤون على معصية الله يجدون في التزامهم بخصلة من خصال الفطرة إمكانية أن تدفع عنهم ويلات هذا الداء الخبيت، لكن لا ننكر أن الوقاية التامة من الإيدز تكون بالعفة والامتناع عن الزنى.

4 ـ الختان و الوقاية من السرطان :

يقول البرفسور كلو دري: “يمكن القول و بدون مبالغة بأن الختان الذي يجري للذكور في سن مبكرة يخفض كثيراً من نسبة حدوث سرطان القضيب عندهم، مما يجعل الختان عملية ضرورية لابد منها للوقاية من حدوث الأورام الخبيثة “.

وقد أحصى د.أولبرتس [1103] مرضى مصابين بسرطان القضيب في الولايات المتحدة، لم يكن من بينهم رجل واحد مختون منذ طفولته.

وفي بحث نشره د. هيلبرغ وزملاؤه أكدوا فيه أن سرطان القضيب نادر جداً عند اليهود، وعند المسلمين حيث يجري الختان أيام الطفولة الأولى. وإن أبحاثاً كثيرة جداً تؤكد أن الختان يقي من السرطان في القضيب.

وتذكر هذه الأبحاث أن التهاب الحشفة وتضيق القلفة هما من أهم مسببات سرطان القضيب، ولما كان الختان يزيل القلفة من أساسها، فإن المختونين لا يمكن أن يحدث عندهم تضيق القلفة، ويندر جداً حدوث التهاب الحشفة.

وقد ثبت أم مادة اللخن التي تفرزها بطانة القلفة عند غير المختونين والتي تتجمع تحت القلفة لها فعل مسرطن أيضاً.

فقد أثبتت الأبحاث أن هذه المادة تشجع على نمو فيروس الثآليل الإنساني HPV  الذي ثبت بشكل قاطع أثره المسرطن.

أما الدكتور رافيتش فيؤكد على دور الختان في الوقاية من أورام البروستات، على الرغم من أنه لا توجد دلالة قاطعة تثبت ذلك، غير أنه في المؤتمر الذي عقد في مدينة دوسلدورف الألمانية عن السرطان والبيئة، أشير إلى العلاقة السلبية بين سرطان البروستات الذي يصيب الرجال وبين الختان، وأن الرجال المختونين أقل تعرضاً للإصابة بهذا السرطان من غير المختونين.

وفي نفس المؤتمر كشف النقاب أيضاً عن أن النساء المتزوجات من رجال مختونين هن أقل تعرضاً للإصابة بسرطان الرحم من النساء المتزوجات من رجال غير مختونين.

من هنا نفهم أن دور الختان لا يقتصر على حماية الرجل “المختون” من الإصابة بالسرطان بل يظهر تأثيره الوقائي عند زوجات المختونين أيضاً.

وهكذا يؤكد د. هاندلي أن الختان عند الرجال يقي نساءهم من الإصابة بسرطان عنق الرحم، وذكر أن الحالة الصحية للقضيب والتهاباته تشكل خطراً على المرأة يفوق الخطر الذي يتعرض له الرجال نفسه.

وقد وجد الباحثون أدلة على اتهام فيروس الثآليل الإنساني HPV بتسبب سرطان القضيب لدى غير المختونين، وسرطان عنق الرحم عند زوجاتهم إذ أنهن يتعرضن لنفس العامل المسرطن الذي يتعرض له الزوج.
نخلص من ذلك إلى القول بأن عدم إجراء الختان في سن الطفولة المبكرة يؤدي على ظهور مجموعة من العوامل، منها وجود اللخن (مفرز باطن القلفة )، وتجمع البول حولها ومن ثم تعطنه وتنامي فيروس الثآليل الإنساني وغيره من العوامل المخرشة واليت تؤدي في النهاية إلى ظهور سرطان القضيب عند الأقلف الذي تجاوز عمره الخمسين وحتى السبعين عاماً.

وبانتقال تلك المخرشات إلى عنق الرحم عند زوجته أمكن أن يؤدي عندها إلى الأصابة بسرطان عنق الرحم أو سرطان الفرج.

وإن عملية التنظيف للقلفة لدى غير المختونين لوقايتهم من السرطان، كما يدعو إلى ذلك بعض أطباء الغرب، هي عملية غير مدية على الإطلاق كما يؤكد البروفسور ويزويل فهو يقول بأنه ليس هناك أي دليل على الاطلاق على أن تنطيف القلفة يمكن أن يفيد في الوقاية من السرطان والاختلاطات الأخرى المرتبطة بعدم إجراء عملية الختان.

ونحن مع الدكتور محمد علي البار ـ نرى أن الطب الحديث يؤيد وبقوة ما ذهب إليه الشافعية من استحباب الختان في اليوم السابع، ولحد أقصى [يوم الأربعين] من ولادة الطفل.

وإن ترك الطفل سنوات حتى يكبر دون أن يختن، يمكن ـ كما رأيناـ أن يؤدي إلى مضاعفات خطرة هو في غنى عنها.

مراجع البحث :

د . محمد نزار الدقر : مقالة “الختان بين الطب والإسلام” مجلة حضارة الإسلام 14 رمضان 1393هـ.

د. عبد السلام السكري : “ختان الذكر وخفاض الأنثى” الدار المصرية للنشر 1989.

د. عبد الرحمن القادري : “الختان بين الطب والشريعة” ابن النفيس دمشق 1996.

د. حسان شمسي باشا : أسرار الختان تتجلى في الطب و الشريعة  مكتبة السوادي جدة 1991

د . محمد علي البار  الختان  دار المنار

الإمام القرطبي : “الجامع لأحكام القرآن” أو ما يسمى بتفسير القرطبي.

ابن القيم الجوزية: “تحفة المودود في أحكام المولود”.

الإمام النووي : “المجموع”.

والله أعلم.