السؤال:

هل يدخل القتال الدائر بين الفصائل الفلسطينية ضمن حديث القاتل والمقتول في النار، برجاء الرد للإفادة.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
قبل الخوض في بيان دلالة الحديث الفقهية نقرر أولا أن أحكام الشريعة الإسلامية قطعية في تحريم القتل، فقد جعلت قتل النفس عمدا سببَ الخلود في جهنم وغضب الله تعالى، وجعلت قتل النفس بصفة عامة من الكبائر.

واقتتال أي فئتين من المسلمين يعني سفك دماء حرمها الله تعالى، وقبل الحكم على أي فئة بالتصويب أو الخطأ نقرأ فقه الحديث الذي معنا.

عن أبي بكرة قال: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار فقيل هذا القاتل فما بال المقتول قال: قد أراد قتل صاحبه).متفق عليه.

الحديث صحيح متفق عليه رواه البخاري في باب الديات وباب والفتن، ورواه مسلم في باب الفتن وأشراط الساعة.

أتناول النظر في هذا الحديث من ناحيتين الأولى لغوية والثانية فقهية:

أولا: بالنظر في هذا الحديث الصحيح من الناحية اللغوية يتبين ما يأتي:

1- نظرة مستقبلية رادعة:

تتمثل هذه النظرة المستقبلية في قوله صلى الله عليه وسلم (إذا) وهي كما يقول عنها اللغويون ظرف لما يستقبل من الزمن، ويتمثل الردع في الوعيد الوارد بين طيات الحديث (فالقاتل والمقتول في النار). وجدوى هذه النظرة يتمثل في خلق رادع قوي معنوي بين المسلمين بحرمة الاقتتال وسوء عاقبته.

2- جواب الشرط وأثره في تحقق الوعيد:

الناظر في جواب الشرط يجده مقترنا بالفاء (فالقاتل والمقتول في النار) والفاء تعني التتابع فكلاهما في النار سواء القاتل والمقتول.

3- وهو ما يستحق الوقفة والتوجه دور الإرادة في تقرير الأحكام الفقهية:

تعجب الصحابة من أن المقتول سيدخل النار فالقاتل نعم لأنه قتل، فما بالنا بالمقتول؟ هنا كانت الإجابة تعني بالنية بالإرادة وتحققها فإنه كان معنيا بقتل صاحبه وكان مريدا لذلك عاقدا العزم عليه.

ثانيا: النظر للحديث من الناحية الفقهية :

أولا : التقاتل المقصود هو ما كان بدون تأويل سائغ:

قرر الفقهاء أن المقاتلة المقصود بها هنا هي ما كانت بدون تأويل سائغ كمن يقاتل عصبية أو حمية دون تبصر بالحق قبل الإقدام على أمر كهذا، يقول ابن حجر العالم الحافظ المحدث الفقيه “واستدل أيضا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ” إذا التقى المسلمان بسيفيهما ” فسماهما مسلمين مع التوعد بالنار، والمراد هنا إذا كانت المقاتلة بغير تأويل سائغ.”

وهذا ما يقرره الإمام النووي في شرحه للحديث في صحيح مسلم حيث يقول:” وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له ، ويكون قتالهما عصبية ونحوها – ثم كونه في النار معناه مستحق لها ، وقد يجازى بذلك ، وقد يعفو الله تعالى عنه “.

ثانيا أن العقاب بقدر الجرم :

لا يستوي رأس الحربة ومشعل الفتنة بمن خرج مدافعا عن نفسه يقول ابن حجر :” والذي يظهر أنه من هذا الجنس وهو أنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه ولا عاقب عقاب من باشر القتل خسا (أي فردا).”
ويقول في موضع آخر: ” ولا يلزم من قوله ” فالقاتل والمقتول في النار ” أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق.”

ويقول النووي: “وهذا ظاهر حسن لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر كقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } سورة النور : 19، وقوله {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ } الحجرات : 12وغير ذلك وقال ابن الجوزي: إذا حدث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ فإن عزم وصمم زاد على حديث النفس وهو من عمل القلب.

ثالثا: الأولى البعد عن القتال تماما، وإن قتل دفاعا عن نفسه وماله وأهله فهو معذور:

قال القرطبي: اختلف السلف في ذلك فذهب سعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم إلى أنه يجب الكف عن المقاتلة فمنهم من قال يجب عليه أن يلزم بيته وقالت طائفة: يجب عليه التحول عن بلد الفتنة أصلاً. ومنهم من قال يترك المقاتلة حتى لو أراد قتله لم يدفعه عن نفسه. ومنهم من قال يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذور إن قتل أو قتل.

رابعا : الحذر من الاقتتال على الدنيا:

ونقل الشوكاني في “نيل الأوطار ” عن الحافظ ابن حجر ما يتَّفق مع ما ذكره النووي، وذكر ما أخرجه البزار في رواية “إذا اقْتتلْتُمْ على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار” ويؤيِّده ما أخرجَه مسلم بلفظ “لا تذهب الدُّنيا حتَّى يأتيَ على الناس زمان لا يَدري القاتل فيمَ قَتَلَ ولا يدري المقتولُ فيمَ قُتِلَ” فقيل كيف يكون ذلك؟ قال “الهَرْج، القاتل والمقتول في النّار” قال القرطبي : فبيّن هذا الحديث أن القاتل إذا كان على جَهْل من طلب دنيا أو اتباع هوى فهو الذي أُريد بقوله “القاتل والمقتول في النّار” قال الحافظ: ومن ثَمّ كان الذين توقّفوا عن القِتال في الجَمل وصِفِّين أقلّ عددًا من الذين قاتلوا، وكلُّهم مأجور إن شاءَ الله ، بخِلاف مَن جاءَ بعدهم ممّن قاتَل على طلب الدُّنيا.

هذا، وقد حمل بعض العلماء الحديث على مَن استحلّ ذلك، ويؤيّد أن الوعيد هو لمَن قاتَل للدُّنيا وليس لله، حديث رواه مسلم “مَن قاتل تحت راية عُمية فغضِب لغَضَبه، أو يدعو إلى عصبيّة، أو ينصُر عصبيّته فقتل فقتلة جاهلية” والعُمية هي الجَهل.

خامسا: مفهوم أهل البغي ومتى يكون قتالهم واجبا:

أهل البغي هم الذين يخرجون على الحاكم الشرعي بالسلاح. ومعنى هذا أن المعارضة بالقول واللسان، والكتابة وسائر الوسائل السلمية ليست من أهل البغي، بل هي من النصح، أو من أصحاب الشبهات وعلى المتهم نفيها بالإثبات.

– يجب أن يكون لهم تأويل سائغ للخروج وإلا لم يكونوا أهل بغي فيتحول قتالهم واجبا.

– يجب أن يكون لهم شوكة والمقصود بها القوة والمنعة.

– مبايعة شخص أو غيره لمناهضة حاكم شرعي بدون تأويل سائغ يعد فتنة كبيرة.

– الصبر على الإمام أولى من الخروج عليه روى الشيخان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من رأى من أميره شيئا يكرهه، فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتته جاهلية ” متفق عليه.

قتال البغاة مشروع، لقول الله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله) الحجرات:9. وللحديث الصحيح: ” من أتاكم وأمْرُكُم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم فاقتلوه ” رواه أحمد ومسلم. وقد قاتل علي رضي الله عنه ومن معه من الصحابة أهل النهروان الذين خرجوا عليه، فلم ينكره أحد.

يلزم إزالة الشبهة لأنها وسيلة للإصلاح والرجوع إلى الحق، وعدم البدء بقتالهم؛ لأن عليا رضي الله عنه راسل أهل البصرة يوم الجمل، قبل الوقعة، وأمر أصحابه ألا يبدأوهم بقتال.

في حال عدم رجوعهم للحق بعدما تبين لهم لزمه قتالهم، ويجب على المحكومين معاونته، استجابة لقول الله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) الحجرات:9.

من ليس منهم لا يجب قتله .

عدم تتبعهم عند ترك القتال.

سادسا: قتال أهل البغي حتى لا تكون فتنة :

قال الشوكاني : وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين وكذا قال النووي وزاد: إنه مذهب عامة علماء الإسلام واستدلوا بقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر اللّه} قال النووي: وهذا هو الصحيح وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما قال: ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون اهـ.

وقال بعضهم بالتفصيل وهو أنه إذا كان القتال بين طائفتين لا إمام لهم فالقتال ممنوع يومئذ وتنزل الأحاديث على هذا وهو قول الأوزاعي وقال الطبري: إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها وذهب البعض إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين وإن النهي مخصوص بمن خوطب بذلك وقيل: إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث يحصل التحقق أن المقاتلة إنما هي في طلب الملك .

النتيجة مما سبق :

بعد التقرير بأن سفك الدم حرام أستنتج من القراءة للحديث أنه ليس كل قتال حراما، ولكن الحرمة تكمن إن كان القتال لعصبية، أو لجاهلية، أو لطلب دنيا، أو بدون تأويل مستساغ، ومن حق ولي الأمر الشرعي أن يحفظ البلاد والعباد من فتن لا يعلم مداها إلا الله تعالى.

وبالنسبة للأخوة في فلسطين أدعوهم لتقوى الله تعالى، وإعلان حرمة سفك الدم من الجانبين، وليعلموا أن الطعنة من العدو أخف بكثير من الأهل وأبناء الجهاد الواحد، وأن يعلنوا التوبة، ويقبلوا متوجهين إلى الله تعالى بنفوسهم.

أما حكم اقتتالهم فتعتوره الأحكام المبينة في الحديث نفسه كل بنيته، وكل بقدر جرمه، وكل بتأويله. وأسأل الله تعالى أن يعصم دماءهم، وأن يبصرهم بعدوهم، وأن يجمع شملهم، ويوحد صفهم.

والله أعلم.