السؤال:

ما حُكم الشريعة فيما اعتاده الناس في المآتم من ارتفاع الأصوات أمام الجنازة، وذبْح الحيوانات عند خروج الجثة، أو عند القبر، وإقامة المآتم، والاجتماع لإعادة التعزية في الخميس الصغير والكبير والأربعين والذكرى السنوية، ولبْس السواد وشارات الحزن، وتحريم أهل الميت على أنفسهم بعض الأطعمة، وإسقاط الصلاة والصوم عن الميت، والمعنى المقصود من قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إيَّاكُمْ والنَّعْيَ فإنَّ النَّعْيَ عملُ الجاهلية".

الجواب:

فرفع الصوت عند الجنازة ولو بذكر الله منهي عنه ، وإقامة المآتِم والسرادقات من التركة مُحَرَّمٌ، والذبح عند الميت عادة جاهلية، ولم يكن معروفًا في الإسلام أيام “الخميس والأربعين”، ولا يجوز للمرأة الحداد فوق ثلاث إلا على زوج أربعةَ أشهرٍ وعشرا، أما إسقاط الصوم والصلاة فلم يرد بها مصدر تشريعي صحيح ولا ضعيف، والنعْيُ بمعنى الإخبار بالموت لا بأسَ به، أما النعْي بكلمات الجاهلية وبعتاب القضاء والقدَر فمحرَّم ومَنْهِيٌّ عنه.

يقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :
في الواقع أن الناس اعتادوا أمورًا كثيرة في المآتِم وغير المآتم، ولم يعتمدوا في أكثرها إلا على مُجرد الاستحسان الشخصي أو الطائفي، وأخذت تنتقل من جيلٍ إلى جيل حتى عمَّت وصارت تقاليدَ، يأخذها حاضر الناس عن ماضيهم، غير ناظرين فيها إلى أكثر من أنها سُنة الآباء والأجداد، ولم يجدوا مَن يُنكر المُنكَر منها عليهم! ولعلَّها وجدت مَن يُبيحها، أو يستحسنها ويُقوِّيها!! فعَلها واعتادها غير المُتفقِّهين، وسايَرهم فيها المتفقهون، واحتملوا إثْمها وإثْم مَن ابتكرها وفعَلها إلى يوم الدِّين!! ، استقرت هذه العادات في المجتمعات الإسلامية بلوْنها الديني، حتى ظن غير المسلمين أنها من شئون الإسلام، والإسلام منها بريء. وبذلك ألْصق بالدين ما ليس منه واستطاع الزائرون الأجانب أن يتَّخذوا لها رُسومًا شمسية، صوَّروا بها الإسلام العملي في بلادهم، تشويهًا للمجتمع الإسلامي، ومسخًا للإسلام. ومن هنا عظمت الجريمة وتضاعفت المسئولية. ولكن على مَن تقع؟ ومَن عليها يُحاسب؟ أعتقد أن الذين تقع عليهم المسئولية، ويُحاسبون عليها، يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم المسئولون، المُحاسبون!

الإسلام يُقِرُّ العاداتِ الحسنةَ ويُنكر السيئةَ
جاء الإسلام، وللناس عاداتٌ: بعضها حسنٌ طيب مفيد، فأقرَّها وقواها، وبعضها سيئٌ خبيثٌ ضارٌّ، فأنكرها وحاربها وألْغاها. وكان هذا هو شأن الإسلام في كل ما جَدَّ في ظله من عادات. الحسَنُ يُقره ويُسميه: “سُنةً حسَنة”، والسيئُ يدفعه ويُسميه: “سُنةً سيئة”، وكان شأن القائمين على أحكام الإسلام وبيانها أن يسيروا مع العادات، حَسَنها وسَيئها، على هذا المبدأ العام الذي قرَّره الإسلام في التقرير والإنْكار. ولكن..!

الأحكام الشرعية:
ولمعرفة حكم الشرع في عادات المآتم، وهو موضوع فَتْوَانَا، ينبغي أن يعرف المسلمون أن الحكمة في تشييع الجنازة، الذي طلبه الشرع وحثَّ عليه، هي الاتِّعاظ بالموت، واستِحضار جلاله الآخِذ بالنفوس القاضي على غطْرستها، المُذكر بيوم الحساب والجزاء (يومَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا ومَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لوْ أنَّ بَيْنَهَا وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا)، وقد جاء في ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما معناه: “اتِّباعُ الجنازة يُذَكِّرُ بالآخرة”.

الصمت عند الجنازة:
1 ـ وتحصيلًا لهذه الحكمة السامية طلب الشارع الصمتَ من المشيعين حتى تخلص العِظَةُ إلى النفس، ويقوَى التذكر في القلب، وفي ذلك ما ورد عن الرسول: “إنَّ اللهَ يُحبُّ الصمتَ عند ثلاث: عند تِلاوة القرآن، وعند الزَّحْفِ، وعند الجنازة”. ومن هنا عُلم حكم العادة الأولى، وحرَّم رفع الصوت في تشييع الجنازة، ولو بالذِّكْرِ وقراءة القرآن، وطلب الاستغفار للميت.

وقد رُوي أن أحد المشيعين لجنازة على عهد رسول الله رفَع صوته بالاستغفار للميت، فقال له الأصحاب بمَسْمع من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “لا يغفر الله لك”. وإذا كان رفع الصوت بطلب الاستغفار، وهو دعاء من الحاضرينَ للميت، بهذه المَثابة من الإنكار، واستحقاق صاحبه المَقْت والتشنيع والدعاء عليه بالحرمان من مغفرة الله، فما بالنا برفع الأصوات بغيره، كالصِّياح والنِّياحة والندْب وعزْف الموسيقى ذات النغمات المُحزنة؟!

وقد نهَى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن اتباع الجنائز التي معها “رانَّة” والرانَّة هي المُصوِّتة، أي ذات الصوت، فتشمل بعُمومها النائحة والموسيقى والقارئ والذاكر، فكل ذلك أمام الجنازة حرامٌ ومنهيٌّ عنه، وليس من شك في أن هذه المظاهر ـ فضلًا عن أنها تحول دون التذكر والاتعاظ ـ تُثير الأحزان وتُضاعف الأسَى، وتخلع القلوب، وتأخذ بها عن جميل الصبر، وفضيلة الرضا بقضاء الله.

وقد سمع عمر بن الخطاب مرةً نَدْبًا ونِياحةً، فدخل مكان الصوت، وأخذ الحاضرين بدرته حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خِمارها، وقال لمَن معه: “اضربْ، فإنها نائحةٌ ولا حُرمة لها، إنها لا تبكي لشَجْوكم، إنها تُريق دموعها على أخْذ دراهمكم، وإنها تُؤذي موتاكم في قُبورهم، وأحيائكم في دُورهم، إنها تَنْهَى عن الصبر وقد أمر الله به، وتأمر بالجزَع وقد نهَى الله عنه”، ولا أدري ماذا كان يفعل عمر لو رأى ما نرى وسمع ما نسمع: في الشوارع، والمقابر، والنوادي، ماشيات، حافيات، راكبات، قد صبغْن وُجوهَهن وملابسهن، وغيَّرْنَ خَلْقَ الله؟.

إقامة المآتِم:
3 ـ أما إقامة المآتم ـ ليلةً فأكثر على الوجه المعروف من نَصْبِ السُّرادقات، والإنفاق عليها بما يُظهر بَهْجَتَهَا ـ فهي “قطعًا إسرافٌ مُحَرَّمٌ بنَصِّ القرآن، وتشتد حُرمتها إذا كان وارث الميت قاصرًا، يحمل كل هذه النفقات، أو كان أهل الميت في حاجة إليها، أو كانوا لا يحصلون عليها إلا عن طريق الربا المُحرم، ولم تكن التعزية عند مُسمَّى العصور الأولى إلا عند التشييع، أو عند المُقابلة الأولى لمَن لم يحضر التشييع.

الذبْح عادةٌ جاهلية:
2 ـ أما الذبح عند خُروج الجُثَّة، أو عند وُصولها إلى القبْر، فهو عادة جاهلية، وقد نهَى النبيُّ عنها بقوله: “لا عَقْرَ في الإسلام”. وهو بعد ذلك لون من ألوان المُباهاة والفخْر في موضع ليس محلًّا للمباهاة والفخر، وللصدَقة مجالها في المكان والزمان والأشخاص.

الخميسُ والأربعينَ:
4 ـ ومن هنا، لم يكن معروفًا في الإسلام ما يعرف اليوم من خميس صغير أو كبير، فضلًا عن “الأربعين والمواسم والأعياد” التي يجدد فيها الناس اليوم الأحزان، ويعيدون بها المآتم، ويشغلون بها الناس عن أعمالهم النافعة في الحياة.

لا حِداد إلا لامرأةٍ على زوجها:
5 ـ ومما يُضحك الثَّكْلَى في عادات المآتم إظهار الحزن والامتناع عن صنع بعض أنواع الأطعمة أو تناولها، وبالملابس السوداء ولو برباط العنق الأسود، وأن يستمر ذلك مدة قد تبلغ سَنة كاملة، وقد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن استدامة الحزن وإظهاره فوق ثلاثة أيام إلا لامرأةٍ مات عنها زوجها، فجعل لحُزنها مدةً عِدَّتُها أربعةَ أشهرٍ وعشرة أيام.

إسقاط الصلاة والصوْم:
6 ـ وإذا كان الناس يتصرَّفون في أعمالهم الخاصة بحُكم التعوُّد المُورَّث، والتقليد المُتبع، ويستبيحون لأنفسهم ما يفعلون من عادات ليست إلا مَهزلة من مهازل التوارث الفاسد، فمَن ذا الذي أباح لهم التصرُّف في حقوق الله التي أوجبها على ميتهم في حياته لِيُزَكِّى بها نفسه من صلاة أو صوم، ثم استخفَّ بها وتركها، أو تلهَّى عنها ومات وهو مُطالَب بها؟ أتدري ماذا يفعلون؟ يحسبون لها فِدْيَةً ويُقدمونها للفقراء باسم: “إسقاط الصلاة أو الصوم”، ثم يعبثون باحتيال مكشوف لا يَخفَى على أحد من الناس، فضلًا عمَّن أحاط بكل شيء علمًا، يعبثون فيشترطون على الفقير لكثرة الفِدْيَة أن يردَّها إليهم بطريق الهِبَةِ في مُقابلة جزء يسيرٍ يأخذها منها! فعلى فرض مشروعية إسقاط الصلاة والصوم ـ والواقع أنه لم يرد بها مصدر تشريعي صحيح ولا ضعيف ـ فهل يُعقل أن تكون تلك الحيلة عملًا مشروعًا يقبله الله ويسقط به عن ميتهم الصلاة والصوم؟! إنه احتيال من نوع احتيال أهل السبت.

النعْيُ مُباحٌ ومَحْظُورٌ:
7 ـ أما النعي، بمعنى الإخبار بالموت فقط، فإنه شأن لا بأسَ به، بل ربما كان مطلوبًا، نظرًا لمَا فيه من مبادرة الناس إلى شهود الجنازة، ومِن مُساعدة أهل الميت في التجهيز والدفْن، ومِن التعزية في وقتها، وفيه بعد هذا كله الإعلان بانقطاع مُعاملته مع الخلْق، وانتقاله إلى الخالق. أما النعْي بما وراء ذلك ـ من طواف النساء ليلًا أو نهارًا يندبْنَ ويَلْطُمْنَ، وبكلمات الجاهلية، وبعتاب القضاء والقدَر، والسخط والتبرُّم منهما ـ فهو محرَّم ومَنْهِيٌّ عنه.


الوسوم: