السؤال:

أنا طالب علم يحب أن يستزيد من المعرفة، ويعطي العلماء حقهم من التقدير والتوقير، وخصوصًا الذين كان لهم حظ وافر في تنوير العقول، وإيقاظ الوعي الإسلامي، وتحريك الهمم والعزائم، للنهوض بالأمة الإسلامية، وإخراجها من حالة الجمود والموات التي ظلت عليها مدة طويلة في الأزمنة الأخيرة. ومن هؤلاء العلامة السيد رشيد رضا، وقد كنا نعده من دعاة السلف، ومن المدافعين عن السنة، والمقاومين للبدع والـضلالات، ولكن علمت أخيرًا أنه كذب حديثًا من أحاديث صحيح البخاري، وهو من حديث سحر اليهود للنبي -صلى الله عليه وسلم- تبعًا لشيخه الشيخ محمد عبده، الذي وافق المعتزلة في إنكاره لهذا الحديث. ومن قراءتي لكتبكم لمست أنكم من المعجبين بالشيخ رشيد رضا -رحمه الله- فما تفسيركم لهذا الموقف منه؟ وقبل ذلك هل هذا هو موقفه من الحديث فعلاً؟ وكيف يعتبر إمامًا في الدين من ينكر أحاديث الصحيحين أو أحدهما؟ أرجو بيان ذلك تفصيلاً، بارك الله في جهودكم وأيدكم بتوفيقه. طالب علم

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
فلم ينكر الشيخ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله- حديث سحر النبي لكنه اختار أن يكون سحر النبي – صلى الله عليه وسلم – خاص بمنعه عن نسائه فقط ، وليس لهذا السحر تأثير على عقله ولا بدنه صلى الله عليه وسلم لمقام النبوة وهذا الرأي له فيه سلف ، وهو مأجور على اجتهاده سواء أصاب أم أخطأ وللمسألة تأصيل وتفصيل يذكره فضيلة الشيخ يوسف القرضاوى في هذه المسألة .

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

شكر الله للأخ السائل حسن تأنيه وتثبته فيما ينقل إليه، وحرصه على المعرفة، ورغبته في الاستزادة من العلم، فقد قال الله تعالى لرسوله: (وقل رب زدني عِلْمًا) (طه: 114).
وشكر الله له كذلك تقديره وتوقيره للرجال الكبار، الذين قاموا بدور بارز في إحياء هذه الأمة، وتجديد دينها، وإيقاظ وعيها، فهذه فضيلة طيبة يجب أن يثبت عليها، ويعض عليها بالنواجذ، فإني أرى كثيرين -للأسف- لا همَّ لهم إلا هدم القمم، وتشويه الأبطال والعظماء، في تراثنا وفي حاضرنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وشكر الله له بعد ذلك حسن ظنه بي، وأرجو أن أكون أهلاً لذلك، وأن أقول كلمة إنصاف في شأن الشيخ رشيد -رحمه الله- وجزاه عن دينه وأمته خيرًا.
وأنا لا أنكر أني من أشد المعجبين بالشيخ رشيد، وأعتبره أحد مجددي الإسلام، وواحدًا من أعلامه الراسخين في العلم، المستقلين في الفكر، المجتهدين في الدين، وقد كان لمجلته “المنار” وتفسيره، وكتبه، وفتاويه، أثر لا يجحد في تنبيه الأمة الإسلامية من غفلتها، وتحريرها من أغلال التقليد التي وضعتها في أعناقها، والعمل على إعادتها إلى الينابيع الصافية من كتاب ربها وسنة نبيها، وهدى سلفها الصالح في خير القرون، وتنقية الدين مما شابه وعلق به على مر العصور، من البدع والزوائد والانحرافات التي كدرت صفاءه، ولوثت نقاءه، والدعوة إلى الإسلام، بوصفه عقيدة وشريعة وحضارة.

فهو في طليعة دعاة السلفية، وأنصار السنة المحمدية، الذين أحيوا علوم السلف ونوهوا بها، وناصروا المدرسة السلفية بالعقل والنقل، وبالبينات التي تخاطب العقل المعاصر، وبالحجج التي تدحض شبهات الخصوم، وافتراءات الأعداء، وتدعو إلى الإسلام في شمول وتكامل وتوازن، كما أنزله الله في كتابه، وبعث به رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

ولا يعني هذا أن الشيخ رشيدًا مبرأ من كل عيب أو معصوم من كل خطأ، فهذا ما لم يقله عن نفسه، وما لا نقوله نحن عنه. وقد عاش عمره يحارب الذين يقدسون شيوخهم إلى حد يكاد يجعلهم معصومين لا يخطئون في قول أو فعل.

وأحب أن أبادر فأقول للأخ السائل الكريم: هب أن الإمام المجدد السيد محمد رشيد رضا -رحمه الله- هفا هذه الهفوة التي تذكرها، وهي إنكاره لحديث من أحاديث الصحيحين أو أحدهما، وانتقاده لسنده أو متنه، فهل يوجب هذا أن نجحد فضله، ونعزله عن منصب الإمامة في الدين، والاجتهاد فيه لزلة يزلها فكره وقلمه، أو لعثرة تنزلق فيها قدمه؟! وأي امرئ يسلم من العثرات؟ وأي عالم تخلو صفحته من زلات؟

وقديمًا قيل: لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة.
وقالوا: الكامل من عدت سقطاته، وأحصيت زلاته.
وقال الشاعر العربي:
ومن ذا الذي ترضى سـجاياه كلهـا
كفـى المـرء نبـلاً أن تعـــد معايبـــه
الأمر المهم في ذلك ألا يكون ردّه للحديث المروي في الصحيح لهوى متبع، سواء كان هوى النفس أم هوى الغير، ممن حذر الله منهم في مثل قوله: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِع أهواء الذين لا يعلمون) (الجاثية: 18).
وقال تعالى: (ومن أضَلُّ ممن اتبَّعَ هواه بغير هُدًى من الله) (القصص: 50).
وكم رأينا من الأئمة المتبوعين والمقبولين في الأمة من رد حديثًا ثابتًا عند غيره ولم يثبت عنده؛ لعلة رآها. وربما روي هذا الحديث بعد في أحد الصحيحين أو في كليهما. ولم ينقص هذا من قدر هؤلاء، ولم يخدش من إمامتهم شيئًا.

وقد رأينا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ترد بعض الأحاديث التي تسمعها من بعض الصحابة، حين رأتها تخالف القرآن في رأيها، أو تخالف ما سمعته هي من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يزدها هذا إلا فضلاً ورفعة عند الأمة.
ثم إنه لا يجوز أن يقال فيمن رد حديثًا أو حديثين من البخاري أو مسلم أو كليهما: إنه رد أحاديث الصحيحين أو كذبهما، فهذا تصوير غير صحيح للقضية، واتهام في غير موضعه.

هذا كله من ناحية المبدأ أو الشكل، أما من ناحية الموضوع، فإن الشيخ رشيدًا لم يكذب الحديث المروي في السحر ولم ينكره، تبعًا لشيخه الإمام محمد عبده، فقد كان السيد رشيد رغم إعجابه بعبقرية شيخه وإيمانه بقوة دينه وحبه لله ولرسوله مستقلاً في تفكيره واجتهاداته، وقد استفاد من عقلانية شيخه، وثورة فكره، ولكنه ضبطها بتبحره في السنة وتراث السلف.

والناظر في شخصيات المدرسة التجديدية الإحيائية الإسلامية التي بدأت بجمال الدين الأفغاني، يجد أن أولها وهو السيد جمال الدين كان أكثرها انطلاقًا، وأقلها انضباطًا بقيود الشرع وضوابط الكتاب والسنة، فقد كان أقلهم حظًا من التبحر في علوم الشريعة ومصادرها، ونجد تلميذه وصديقه الأستاذ الإمام محمد عبده أقرب إلى الالتزام والانضباط منه؛ لأنه أكثر علمًا بالشرع، وأكثر تبحرًا في معارفه بحكم تكوينه الأزهري الأصيل، ونجد تلميذ الأستاذ الإمام رشيد رضا أكثر التزامًا، وانضباطًا من شيخه، وشيخ شيخه من باب أولى.

فقد أتيح له أن يطلع على آثار المدرسة السلفية التجديدية الكبرى المتمثلة في شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه، ومن خلالها اطلع على التراث السلفي الضخم، واستطاع أن ينهل منه، وينتفع به في دعوته للإصلاح والتجديد. فالسيد جمال الدين أقرب إلى عقلية «الفلاسفة»، أعني فلاسفة المدرسة المشائية الإسلامية من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا، وغيرهم.

والإمام محمد عبده أقرب إلى عقلية المتكلمين من أمثال الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم.
والسيد رشيد أقرب إلى عقلية «فقهاء المحدثين» الجامعين بين المعقول والمنقول، أمثال الإمام محمد بن إدريس الشافعي وابن دقيق العيد، وابن تيمية وابن القيم وابن الوزير وأمثالهم.
وقول السائل: إن الشيخ محمد عبده أنكر حديث السحر، تبعًا للمعتزلة في ذلك، غير مسلَّم على إطلاقه.
فليس المعتزلة وحدهم هم الذين أنكروا حديث السحر، فقد أنكره بعض أهل السنة أيضًا، مثل الإمام أبي بكر الرازي الحنفي المعروف بالجصاص، صاحب كتاب: “أحكام القرآن” وبعض المتكلمين.

ولكن جمهور علماء أهل السنة أثبتوا الحديث، لروايته من طرق صحيحة، وكان لهم في توجيهه تأويلات شتى، كلها تؤكد عصمة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتنفي عنه ما لا يليق به، كما حفلت بذلك كتب الشروح.
ولم يخرج صاحب المنار السيد رشيد عن خطهم في الجملة، بل أثبت الحديث، وأوله التأويل اللائق بمنصب النبوة، ومقتضى العصمة.

نص الحـديث وكلام الشـراح عليه:
ويحسن بنا أن نسوق نص الحديث كما رواه البخاري، ونسوق رأي بعض الشراح فيه، ثم نختم برأي الشيخ رشيد الذي خطه بقلمه في تفسير سورة “الفلق” ورده فيه على من اتهمه بتكذيب البخاري.

قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سحر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله (في رواية البخاري من حديث في باب هل يستخرج السحر حديث (5765) من طريق ابن عيينة أن عائشة قالت: ” حتى كان يرى أنه يأتي نساءه ولا يأتيهن “، وهو تفسير وبيان لما أجمل وعمم في هذه الرواية). حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا ثم قال: “يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما اسفتيته فيه (أي أجابني فيما دعوته فيه). ؟ أتاني رجلان ( في رواية عند أحمد والطبراني: أتاني ملكان). فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب مطبوب: أي مسحور، يقال: طب بضم الطاء إذا سحر كنوا عن الطب تفاؤلاً. قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مُشْط (المشط: معروف وهو ما يسرح به شعر الرأس أو اللحية). ومُشاطة (المشاطة: ما يخرج من الشعر الذي يسقط من الرأس إذا سرح بالمشط، وكذا اللحية). كما قال ابن قتيبة. وجف طَلْع نخلة ذكر (وهو الغشاء الذي يكون على الطلع). قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروانَ”. فأتاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ناس من أصحابه. فجاء فقال: ” يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء (أي أن لون مائها أحمر كالماء الذي ينقع فيه الحناء). وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين (تشبيه يراد منه التقبيح ؛ لأن كل ما ينسب إلى الشيطان مستقبح شرعًا وعرفًا). “. قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: ” قد عافاني الله، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًا “. فأمر بها فدفنت (أخرجه البخاري في: كتاب الطب. باب السحر. حديث (5763). البخاري المطبوع مع الفتح. ط دار الفكر ببيروت، المصورة عن السلفية بالقاهرة).

قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في ” الفتح”:
قوله ” باب السحر ” قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان:
أحدهـا: ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبي خادعته واستملته، وكل من استمال شيئًا فقد سحر، ومنه قول الأطباء: الطبيعة ساحرة، ومنه قوله تعالى: (بل نحـن قوم مسحورون” (الحجر: 15). أي مصروفون عن المعرفة، ومنه حديث “إن من البيان سحرًا”، وسيأتي قريبًا في باب مفرد.

الثاني: ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشـارة بقوله تعالى: (يُخَيَّـل إليه من سِـحْرِهم أنها تَسْـعَى) (طه: 15). وقوله تعالى: (سحروا أعين الناس) (الأعراف: 116). ومن هنا سموا موسى ساحرًا، وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصية بالحجر الذي يجـذب الحـديد المسمى المغناطيس.

الثـالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة قوله تعالى: (ولكن الشياطين كفروا يُعَلِّمُون الناس السحر) (البقرة: 102).
الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانياتها بزعمهم.
قال ابن حـزم: ومنه ما يوجد من الطلسمات كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب، وكالمشاهد ببعض بلاد الغرب وهي سرقسطة فإنها لا يدخلها ثعبان قط إلا إن كان بغير إرادته، وقد يجمع بعضهم بين الأمرين الأخيرين، كالاستعانة بالشياطين، ومخاطبة الكواكب فيكون ذلك أقوى بزعمهم.

قال أبو بكر الرازي في “الأحكام” له: كان أهل بابل قومًا صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة، ويعتقدون أنها الفعالة لكل ما في العالم، وعملوا أوثانًا على أسمائها، ولكل واحد هيكل فيه صنمه يتقرب إليه بما يوافقه بزعمهم من أدعية وبخور، وهم الذين بعث إليهم إبراهيم -عليه السلام- وكانت علومهم أحكام النجوم، ومع ذلك فكان السحرة منهم يستعملون سائر وجوه السحر وينسبونها إلى فعل الكواكب، لئلا يبحث عنها وينكشف تمويههم.
ثم السحر يطلق ويراد به الآلة التي يسحر بها، ويطلق ويراد به فعل الساحر، والآلة تارة تكون معنى من المعاني فقط كالرقي والنفث في العقد، وتارة تكون بالمحسوسات كتصوير الصور على صورة المسحور، وتارة بجمع الأمرين الحسي والمعنوي وهو أبلغ.

واختلف في السحر فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبى جعفر الاسترباذى من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري وطائفة.

و قال النووي:
الصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عليه أولاً؟ فمن قال: إنه تخييل فقط منع ذلك، ومن قال: إن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلاً وعكسه؟
فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني. فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل خلاف، فإن كثيرًا ممن يدعى ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه.

وقال الخطابي:
إن قومًا أنكروا السحر مطلقًا، وكأنه عنى القائلين بأنه تخـييل فقـط وإلا فهي مكابرة.
وقال المازري:
جمهور العلماء على إثبات السحر، وأن له حقيقة، ونفى بعضهم حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر، ولأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق، أو تركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص، ونظير ذلك ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعًا.

وقـيل: لا يزيد تأثـير السـحر على ما ذكـر اللـه تعالى في قـوله(يُفَرِّقُون به بيـن المرء وزوجه) (البقرة: 102). لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكـره.
وقال المازري:
والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نـصًا في منع الزيادة، ولو قلنا إنها ظـاهرة في ذلك، ثم قال: والفرق بين السحر والمعجـزة والكرامة أن السـحر يكون بمـعاناة أقوال وأفعـال حتى يتـم السـاحر بما يريد، والكرامة لا تحــتاج إلى ذلك بـل إنمـا تقـع غالـبًا اتفـاقًا، وأما المعجزة فتمـتاز عن الكرامة بالتحدي.
ونقل النووي في زيادات الروضة عن المتولي نحو ذلك، وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسكًا بالشريعة، متجنبًا للموبقات، فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر؛ لأنه ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين.

وقال القرطبي: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون:
(وجاءوا بِسِحْرٍ عظيم) (الأعراف: 116).

مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالاً وعصيًا. ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك.

قوله: ” سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ” ووقع في رواية عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عند مسلم ” سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- من يهود بني زريق حليف اليهود وكان منافقًا “، ويجمع بينهما بأن من أطلق أنه يهودي نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه منافقًا نظر إلى ظاهر أمره.
وقال ابن الجوزي: هذا يدل على أنه كان أسلم نفاقًا وهو واضح، وقد حكى عياض في ” الشفاء ” أنه كان أسلم.

ويحتمل أن يكون قيل له يهودي؛ لكونه كان من حلفائهم، لا أنه كان على دينهم. وبنو زريق بطن من الأنصار مشهور من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حلف وإخاء وود، فلما جاء الإسلام ودخل الأنصار فيه تبرءوا منهم.

قوله: ” حتى كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله ” قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحطّ منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أ ن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء، وقال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يتعرض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان -صلى الله عليه وسلم- يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطئهن، وهذا كثير ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.

قلت القائل ابن حجر: وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة في الباب الذي يلي هذا، ولفظه:
” حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ” وفي رواية الحميدي ” أنه يأتي أهله ولا يأتيهم، قال الداودي: ” يُرَى ” بضم أوله أي يظن، وقال ابن التين: ضبطـت ” يرى ” بفتح أوله، قلت: وهو من الرأي لا من الرؤية، فيرجع إلى معنى الظن. وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق ” سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عائشة حتى أنكر بصره ” وعنده في مرسل سعيد بن المسيب ” حتى كاد ينكر بصره”.
قال عياض: فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده.

قلت: ووقع في مرسل عبد الرحمن بن كعب عند ابن سعد ” فقالت أخت لبيد بن الأعصم: إن يكن نبيًا فسيخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله”. قلت: فوقع الشق الأول كما في هذا الحديث الصحيح”
وقد قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك. وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت، فلا يبقى على هذا للملحد حجة.

وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سباق عادته من الاقـتدار على الوطء، فإذا دنـا من المرأة فـتر عن ذلك كما هو شـأن “المعقود ” (المعقود: ويسمى عرفًا المربوط، وهو من حبسه السحر عن القدرة على الاتصال بزوجته). ويكون قوله في الرواية الأخـرى ” حتى كاد ينكـر بصـره ” أي صـار كالذي أنكر بصره بحيث إنه إذا رأي الشيء يخيل أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته. ويؤيد جميع ما تقـدم أنه لم ينقل عنه في خبر من الأخبار: أنه قال قولاً فكان بخلاف مـا أخبـر به.

وقال المهلب:
صون النبي -صلى الله عليه وسلم- من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في الصحيح أن شيطانًا أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه، فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصًا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمر، بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين.

واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث: ” أما أنا فقد شفاني الله”، وفى الاستدلال بذلك نظر، لكن يؤيد المدعي أن في رواية عمرة عن عائشـة عند البيـهقي في الدلائل: ” فكان يدور ولا يدرى ما وجـعه”، وفي حديث ابن عباس عند ابن سـعد: ” مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- وأُخِذ عن النسـاء والطــعام والشـراب، فهـبط عليه ملكان” الحديث.

قوله: “وهو عندي لكنه دعا ودعا” كذا وقع، وفي الرواية الماضية في بدء الخـلق “حتى كان ذات يوم دعا ودعا”، وكذا علقه المصنف لعيسى بن يونس في الدعوات، ومثله في رواية الليث. قال الكرماني: يحتمل أن يكون هذا الاستداراك من قولها “عندي” أي لم يكن مشتغلاً بي بل اشتغل بالدعاء، ويحتمل أن يكون من التخيل، أي كان السحر أضره في بدنه لا في عقله وفهمه بحيث إنه توجه إلى الله ودعا على الوضع الصحيح والقانون المستقيم.

ووقع في رواية ابن نمير عند مسلم: ” فدعا، ثم دعا، ثم دعا” وهذا هو المعهود منه أنه كان يكرر الدعاء ثلاثًا. وفي رواية وهيب عند أحمد وابن سعد: فرأيته يدعو.
قال النووي:

فيه استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات وتكريره والالتجاء إلى الله تعالى في دفع ذلك.
قلت ـ والقائل ابن حجرـ: سلك النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فوض وسلم لأمر ربه، فاحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته، جنح إلى التداوي، ثم إلى الدعاء، وكل من المقامين غاية في الكمال.
قوله: ” قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته” في رواية أبي أسامة، ” فقال: لا ” ووقع في رواية ابن عيينة أنه استخرجه، وأن سؤال عائشة إنما وقع عن النشرة فأجابها بلا.

قوله: ” فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًا ” في رواية الكشميهي: ” سوءًا ” ورفع في رواية أبي أسامة ” أن أُثَوِّر ” بفتح المثلثة وتشديد الواو وهما بمعنى، والمراد بالناس التعميم في الموجودين.
قال النووي: خشي من إخراجه وإشاعته ضررًا على المسلمين من تذكر السحر وتعلمه ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة.
ووقع في رواية ابن نمير ” على أمتي ” وهو قابل أيضًا للتعميم؛ لأن الأمة تطلق على أمة الإجابة وأمة الدعوة وعلى ما هو أعم، وهو يرد على من زعم أن المراد بالناس هنا لبيد ابن الأعصم؛ لأنه كان منافقًا فأراد -صلى الله عليه وسلم- ألا يثير عليه شرًا؛ لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يظهر الإسلام، ولو صدر منه ما صدر، وقد وقع أيضًا في رواية ابن عيينة، وكرهت أن أثير على أحد من الناس شرًا.

نعم، وقع في حديث عمرة عن عائشـة، فقـيل: يا رسول الله لو قتلته، قال: “ما وراءه من عذاب الله أشـد “، وفي رواية عمرة: ” فأخـذه النبي -صلى الله عليه وسلم- فاعترف فعـفا عنه”، وفي حديث زيد بن أرقـم: ” فما ذكـر رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك اليهودي شيـئًا مما صـنع به ولا رآه في وجهه”.
وفي مرسل عمر بن الحكم: ” فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير “.
وقد تقدم في كتاب الجزية قول ابن شهاب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقتله.

وأخرج ابن سعد من مرسـل عكرمة أيضًا أنه لم يقـتله، ونقل عن الواقـدي أن ذلك أصـح من رواية من قال إنه قـتله، ومن ثم حكى عـياض في ” الشـفاء ” قوليـن: هل قتل، أم لم يقتل؟
وقال القرطبي: لا حجة على مالك (أي في قوله بقتل الساحر). من هذه القصة؛ لأن ترك قتل لبيد بن الأعصم كان لخشية أن يثير بسبب قتله فتنة، أو لئلا ينفر الناس من الدخول في الإسلام، وهو من جنس ما رعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- من منع قتل المنافقين حيث قال: ” لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه” (الحديث (5763) فتح الباري 10/221 232).
هذا بعض ما ذكره الشراح حول حـديث سـحر اليهود للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبين مـدى ما أثاره الحديث من استشكالات، ومدى اهتمام العلماء بمواجهتها ببينات النقل والعقل.

فلا عجب أن يكون هذا الحديث مثار اهتمام لدى العقل الحديث، وخصوصًا بعد التقائه بعقول الآخرين، وتعرفه على أفكارهم.
ومن هنا تكلم فيه العلامة رشــيد رضا، لا كلام النافي له أو المكذب، بل كلام من يصدق به ويؤوله أحسن تأويل، يقنع أهل العقل والنظر ولا يرده أهل النقل والأثر.
وإليك ما ذكره في نهاية تفسير سورة الفلق، من قصار السور تحت عنوان: علاوة لتفسير السورة في حديث سحر منافق من أشرار اليهود للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وبعد أن ذكر رواية الشيخين للحديث من طريق عائشة -رضي الله عنها- وهي التي أوردناها من قبل أشار إلى الرواية الأخرى، حيث قال: وفي رواية الشيخين: كان -صلى الله عليه وسلم- سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن بنحوه، وفيه: سحره رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقًا (بنو زريق بطن من الخزرج فهو على هذه الرواية يهودي بالحلف لا بالنسب).، وعن زيد بن أرقم سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل من اليهود فاشتكى لذلك أيامًا فأتاه جبريل، فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا فأرسل -صلى الله عليه وسلم- فاستخرجها فحلها فقام كأنما أنشط من عقال فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط. رواه النسائي. والأيام جمع قلة، ولكن بالغ بعض الرواة في غير الصحيحين فجعلوها أشهرًا.

قال السيد رشيد: فهذا الحديث صريح في أن المراد من السحر فيه خاص بمسألة مباشرة النساء، ولكن فهم أكثر العلماء أنه -صلى الله عليه وسلم- سحر سحرًا أثر في عقله، كما أثر في جسده. فأنكره بعضهم، وبالغوا في إنكاره، وعدوه مطعنًا في النبوة، ومنافيًا للعصمة؛ لقول عائشة: حتى إنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء، ولم يكن فعله. فعظمت هذه الرواية على علماء المعقول، وعدوها مخالفة للقطعي في النقل، وهو ما حكاه اللّه تعالى عن المشركين من طعـنهم فيه كعادة أمثـالهم في رسلهم بقولهم: (إن تتبعون إلا رجلاً مسحورًا) وتفنيده تعالى لهم بقوله: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فـضـلوا فلا يستطيعون سبيلاً) (الفرقان: 8،9).

ومخالفة للقطعي في العقل من عصمة النبي -صلى الله عليه وسلم- من كل ما ينافي النبوة والثقة بها؛ إذ يدخـل في ذلك التخييل ما هو من التـشريع، ومخالفة لعلم النفـس الذي يعلم منه أن الأنفـس السافلة الخبـيثة لا تؤثر في الأنفـس العالية الطاهرة، فأنـكر صـحة الروايـة بعض العلماء، وأقدم من عرفنا ذلك عنهم من المفـسرين الفقـهاء: أبو بكر الجصـاص في كتابه” أحكام القرآن ” وآخرهم: شيخنا الأستاذ الإمام في تفسير”جزء عم”
وقد أطال شيخنا في هذا وبالغ فيه. وبنى إنكاره له على القاعدة المتفق عليها عند علماء العقائد وأصول الفقه في معارضة الظني للقطعي، إذ الحديث آحاد، وهو يفيد الظن، فيرد بالقطعي عقلاً ونقلاً، وهو ما ذكرناه آنفًا، وقد اتفقوا على أن أحاديث الآحاد لا يحتج بها في أصول العقائد. وقال: إن كونه يفيد الظن خاص بمن صح عنده، وإن له أن يتأوله أو يفوض الأمر فيه، على قاعدتهم الأخرى في النصوص المعارضة للعقل. ولعمري إن ما نعرفه عن شيخنا محمد عبده -قدس اللّه روحه- من إجلاله وإكباره لشأن محمد رسول اللّه وخاتم النبيين في نفسه الزكية، وروحه القدسية، وعلو مداركه العقلية، مما لم نعرف مثله عن أحد من العلماء العقليين كفلاسفة المسلمين ومتكلميهم، ولا من العلماء الروحيين كالصوفية، ولا من علماء النقل كجامعي الروايات الكثيرة في معجزاته -صلى الله عليه وسلم- وحسبك منها تلك الآثارة البليغة في رسـالة التوحـيد، بل كان يقـول: إن روحه -صلى الله عليه وسلم- كانت منطـوية على جملة هـداية الدين ومدارك التشريع التي فصلت في كـتاب اللّه تعالى وسنته تفصيلاً تامًا.

وأجاب عن الرواية المحدثون المصححـون لها علمًا والمقلدون لهم بأن غاية ما تدل عليه: أن ذلك السحر إنما أثر في بدنه دون روحه وعقله، فكان تأثيره من الأعراض الجسدية، كالأمراض التي لم يعصم الأنبياء عليهم السلام منها.
وقد محصت هذه المسألة مرارًا آخرها في الرد على مجلة الأزهر” نور الإسلام ” في زعمها المفترى أنني كذّبتُ حديث البخاري في سحر النبي -صلى الله عليه وسلم-فبينت: أن الحديث الصحيح في المسألة عن عائشة -رضي الله عنها- توهم عبارة بعض رواياته ما هو أعم من المعنى الخاص الذي أرادته منه، وهو مباشرة الزوجية بينه -صلى الله عليه وسلم- وبينها، فقولها: كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله كناية عن هذا الشيء الخاص، لا عام في كل شيء، فلا يدخل فيه شيء من أمور التشريع، ولا غير غشيان الزوجية من الأمور العقلية، أو الأمراض البدنية، فضلاً عما كان يريده الذين يرمون الأنبياء بسحر الجنون؛ لأن أمورهم فوق المعقول عند أولئك الكافرين، فالمسألة محصورة فيما يسمونه حتى الآن ” الربط ” أو ” العقد ” أي عقد الرجل المانع من مباشرة زوجته فقط.

وبينت أيضًا: أن الرواية في أصح أسانيدها عند الشيخين عن هشام عن أبيه عن عائشة فيها علة من علل الحديث الخفية التي يشترط في صحة الحديث السلامة منها، وهي أن بعض منكري الحديث أعلوه بهشام هذا، وألف بعضهـم كتابًا خاصًا فيه، محتجًا بقول بعض علماء الجرح والتعديل: إنه كان في العراق يرسل عن أبيه عروة بن الزبير ما سمعه من غيره، وعروة هو راوية عائشة الثقة، وهي خالته. وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، يعني هشامًا، وقد نقم منه حديثه لأهل العراق، وقال ابن القطان: تغير قبل موته. ولا شك أن تعديل الجماعة له ومنهم الشيخان خـاص بمـا رواه قبل تغيره، فهـذا عـذر من طعن في روايته لهـذا الحديث الذي أنكـروا متنه بمـا علمت، والأمــر فيه أهــون ممـا قالوا (راجع تفصيل المسألة في: كتاب المنار والأزهر ص 95 -105). فالتحقيق أنه خاص بمسألة الزوجية، كما جاء التصريح به في الرواية الثانية كما تقدم، ولا يعتد بغير هذا.

أما ما رواه البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس في مرضه -صلى الله عليه وسلم- وأنه كان شديدًا، وأنه كان سحرًا في بئر تحت صخرة في كربة (الكرب: أصول السعف التي تقطع معها، وواحدتها: كربة. المصباح المنير).، وأنهم أخرجوها فأحرقوها فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت عليه هاتان السورتان يعني المعوذتين فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة.اهـ ملخصًا، فهذا حديث باطل مخالف لحديث الصحيحين في المسألة، ولروايات نزول السورتين بمكة، وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي هذا متهم بالكذب، وطريقه أوهي الطـرق عن ابن عبـاس، واسمه محمد بن السائب.

وأما ما رواه أبو نعيم في الدلائل عن أنس قال: صنعت اليهود للنبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا فأصابه من ذلك وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فظنوا أنه ألم به، فأتاه جبريل بالمعوذتين فعوذه بهما، فخرج إلى أصحابه صحيحًا، فهو من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، وهما ضعيفان. وليس في متنه ذكر السحر ولا أن المعوذتين نزلتا في ذلك الوقت، ولا في أي شيء من روايات الصحيحين. فالاستدلال به على أنهما مدنيتان ضعيف، فالحق أنهما مكيتان كما تقدم. ا هـ.
هذا هو كلام العلامة السيد رشيد -رحمه اللّه- تعالى في الحديث وتأويله، وهو كلام عالم فقيه جارٍ على نهج المحدثين الأصلاء، في الجرح والتعديل، والشرح والتعليل، وهو كلام إمام مصلح، حريص على البناء لا الهدم، وعلى التجـديد لا التبديد، يعرف قدر السلف، ولا ينكر حق الخلف. يخـالف شيـخه، ولكنه يدافـع عنه ويؤكد مقدار حبه وتوقيـره لرسـول اللّه -صلى الله عليه وسلم- وهذا هو العدل والإنصــاف. فرضي اللّه عن الشيخ رشـيد وجـزاه عن الإسلام وأمته خيرًا وأثـابه على كل ما اجتـهد فيـه، أخطأ أو أصاب: أجرًا أو أجرين. آمين.

والله أعلم