السؤال:

دائما مانسمع الخطباء يتكلمون عن أن الرجال يستمتعون في الجنة بالنساء هل هذا هو فقط نعيم الجنة، وهل النساء لا يوجد لهم نعيم يذكرونه الخطباء؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

فإن الخطباء يذكرون ما ذكره الله تعالى في كتابه وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وليس نعيم الجنة قاصرا على متعة الجنسية، بل هي جزء منه ، ولكن تم التركيز عليه لأن الرغبة الجنسية أقوى من غيرها، وذكر تمتع الرجال بها دون النساء ليس فيه إخلال بمتعة النساء أيضا من أهل الجنة، ولا نفي لهذه المتعة، بل هو ذكر لها .

وذلك لأن النصوص التي تبين صور استمتاع الزوج بزوجاته في الجنة ماهي إلا مشاهد تبين صور استمتاع النساء بالرجال كذلك. وهذا الاستمتاع ليس قاصرا على الحور ، بل يشمل كل النساء من أهل الجنة، سواء من المؤمنات أم من الحور، بل الزوجة المؤمنة تكون في مقدمة الزوجات ، وتفضل على الحوريات بما تكسى من جمال وبما قدمت من طاعة وبر وتقى في الدنيا رغم بشريتها.

أليس حينما تطالعنا السنة بمشهد يرى فيه الرجل زوجته من أهل الجنة فلا يلفت عنها بصره إلا بعد سبعين سنة من فرط جمالها… أليس هذا استمتاعا لكليهما معا؟ أليس في هذا إشباع لحاجة المرأة التي تحب أن تكون آسرة الرجل وساحرته؟
كما يقول الله تعالى : ( هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ) ويقول سبحانه : ( ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون)، وغير ذلك من الآيات الجامعة للرجل وزوجاته، ثم إن الغيرة تنزع منها ، فلا غيرة في الجنة، بل فيها الرضا والسرور، ولا تنقص إحداهن قدر تمتع الأخرى بزوجها.

ثم إن تلك المشاهد تصف المرأة في الجنة وصفا يحبه الرجل ويتغياه منها… فهن أَبْكَار عُرُب ، لكنه من جانب آخر وصف للمرأة نفسها بما تحب أن تكون… فهذه المشاهد على الحقيقة هي مدح وإطراء للنساء، وليس للرجال حظ في ذلك إلا الاستمتاع بهذا الجمال الذاتي فيهن.
وإذا وصفت المرأة من أهل الجنة بأن خلقها أعيد من جديد على نحو يأسر الرجل كما بينا، ووصفت بالإدلال والغنج، وهو ما توحيه كلمة ( عربا) ووصفت بالملاحة والظرافة والحسن والجمال، حتى وصف خمارها، ولباسها، وحليها، وزينتها، وعذوبة صوتها، وحسن ثغرها، وجمال تبسمها، وصفاء جلدها ، ونضارة جسمها.

إذا وصفت المرأة من أهل الجنة بهذا…. فكيف يمكن أن يوصف الرجال؟ وكيف يحببهن الله تعالى فيهم، وبأي شيء يغريهن منهم؟

ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف ساكني الجنة رجالا ونساء: ( أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك) رواه الشيخان من حديث أبي هريرة .

ألم يأت في مشهد يصور الرجل مع زوجته في مخدعهما من الجنة …. جاء فيه : (فبينما هو عندها لا يملها و لا تمله ما يأتيها مرة إلا وجدها عذراء ما يفتر ذكره، و لا يشتكي قبلها فبينما هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تمل و لا تمل إلا أنه لا مني و لا منية – أي لا مني ولا موت- ألا إن لك أزواجاً غيرها . فيخرج ، فيأتيهن واحدة واحدة ، كلما جاء واحدة قالت : والله ما في الجنة شيء أحسن منك ، و ما في الجنة شي أحب إلي منك) رواه البيهقي وابن أبي يعلى، وحكم الشيخ الألباني عليه بالنكارة.

وهنا يجف المداد، وتعجز الكلمات…. فماذا عسى أن يوصف الرجل بأكثر من هذا…. ولكنها إلماحات ، وإشارات تسبح السابحات فيما تلقيه هذه الكلمات من ظلال، وما توحي به من مشاهد، يحدوهن في هذه السباحة العقلية قوله تعالى: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) وقوله سبحانه: ((لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) إنها سباحة عقلية تفوق خيال الشعراء، ومبالغات الأدباء، وأساطير الأفاكين….. إلا أنها الحقيقة.

يقول الشيخ عطية صقر، رحمه الله تعالى:
‏تحدث القرآن عن نعيم الجنة فى الناحية الجنسية ، وركز على الرجل بالذات ، وأغراه بالعمل لدخول الجنة لينعم بزوجات فيهن كل الأوصاف المغرية، وجاء فى الحديث المتفق عليه بين البخارى ومسلم أن الرجل الواحد سيكون له أكثر من زوجة ، فقد أخرجا عن أبى هريرة رضى الله عنه أن الصحابة تذاكروا :‏ الرجال أكثر فى الجنة أم النساء ؟ فقال :‏ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما فى الجنة رجل إلا وله زوجتان ، إنه يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة، ما فيها عزب ” وجاء فى أحاديث أخرجها الترمذى وصححها أن العبد يزوج فى الجنة سبعين زوجة، وفى حديث لأحمد والترمذى وابن حبان أن أدنى أهل الجنة منزلة له ثنتان وسبعون زوجة .‏
فأين الحديث عن المتعة الجنسية للمرأة ، وهل لها أن تتمتع بأكثر من رجل كما يتمتع الرجل بأكثر من امرأة ؟ وإذا كانت مع زوجها فى الجنة كما قال تعالى {‏ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم }‏ الرعد :‏ ‏23 ، فكيف تحس بالنعيم مع أن الغيرة تملأ قلبها من ضرائرها الحسناوات ؟

أ- ‏التركيز على نعيم الرجل لأن شهوته طاغية، فهو طالب لا مطلوب ، فوعده الله بما يحقق رغبته فى هذه اللذة إن جاهد نفسه وعف عن الحرام .‏ أما المرأة فشهوتها ليست طاغية كما يقول المختصون ، وإن اشتدت فى فترة نضج البويضة يوما أو يومين فى الشهر فهى فى غالب أيامها مطلوبة لا طالبة .‏ وما قيل من أن شهوتها أقوى من شهوة الرجل بنسبة كبيرة فليس عليه دليل صحيح ، والواقع خير دليل .‏ ومع ذلك فلا تحرم المرأة من هذه اللذة فى الجنة، وستكون مع زوجها ذلك {‏إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون *‏ هم وأزواجهم فى ظلال على الأرائك متكئون}‏ يس :‏ ‏55، ‏56 ، ومن لم تتزوج إما أن يزوجها الله -‏حيث لا يوجد عزب فى الجنة كما فى الحديث السابق الذى رواه الشيخان ، وإما أن يمتعها بلذة أخرى تقنع بها .‏

ب -‏ قد يكون هناك تعويض عن هذه اللذة بالقناعة بمنزلتها عند زوجها وبمتع أخرى يعلمها الله وحده {‏ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين }‏ الزخرف :‏ ‏71 .‏
وقد قيل :‏ إن الله يكسوها جمالا لا تحس معه نقصا بالنسبة للحور العين ، وأن لها السيادة عليهن ، وهى لن تحب رجلا غير زوجها كالحور العين قاصرات الطرف .‏

ج -‏ ليس فى الجنة غيرة بين الزوجات -‏كما فى الدنيا-‏ لأنها تنغص النعيم ، وليس فيها حسد ولا حقد ولا حزن ولا أى ألم أبدا، حتى تتم اللذة لأهل الجنة كما قال تعالى :‏ {‏ ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين *‏ لا يمسهم فيها نصب }‏ الحجر:‏ ‏47 ،‏48 ، وقال على لسان أهل الجنة {‏ الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن ، إن ربنا لغفور شكور *‏ الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب }‏ فاطر:‏ ‏34 ، ‏35.(انتهى).

وأما أن أكثر أهل النار النساء ، فهذا حق ، ولا ظلم فيه ، فالسبب أعمالهن، وذكر ذلك نعمة، فهو تحذير لهن ، فمن حذرت أكرمها الله بالجنة ونعيمها، ومن تمادت في غيها فهي الجانية على نفسها.
والله أعلم .