السؤال:

ما حكم لعب ورقة الطاولة ؟

الجواب:

‏بسم الله ،والحمد لله ،والصلاة والسلام على رسول الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:

لعب الورق ( الكوتشينة ) إن كان مقترنا بقمار فهو حرام قولا واحدا ، أما إن لم يقترن بقمار فاختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال بالكراهة ، ومنهم من رجَّح الحرمة ؛ لأنه مضيعة للوقت ، وهذه اللعبة تفضي إلى العداوة والبغضاء كما أنها طريق للعب الميسر .

 فالأولى بالمسلم أن يشغل نفسه بما ينفعه حتى في مجال اللعب ، فإن كان لا بد من اللعب بعض الوقت للتسلية وكان خاليا عن المحظورات فينبغي أن يكون وقت اللعب قصيرا جدا ، فهو في الغالب يفوت كثيرا من أفعال الخير ، ولا يخلو من الانجرار وراءه مما ينتج تضييع الواجبات، وعلى الزوج الكريم أن يراعي أنه لأهله حق ولأولاده حق ، وأن لجسمه حق أيضا ، وأن طول السهر يرهق البدن ما لم يكن في طاعة الله تعالى وما يقرب إليه.

 ومع هذا فعلى الزوجة أن تنظر في أسباب انشغاله وبعده عن بيته ، فلتتفنن في اجتذابه بطرق مناسبة ولتتبع التدرج في إخراجه من عادة السهر وقضاء الأوقات خارج البيت بلا فائدة أو بلا داع. والله الموفق .

 

 يقول الشيخ عطية صقر ـ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا :
هناك شبه اتِّفاق على أن ممارستَها محرّمة إن كان فيها قِمار، أو صاحَبَها محرّم كشرب خمر أو سُفور أو خلوة أو سِباب، أو ترتّب عليها ضَياع واجب، أو ضَرر أيًّا كان هذا الضّرر. وقال أبو إسحاق المروزى من أصحابنا: يُكره ولا يحرّم ، والجمهور على التحريم .

‏يقول الدكتور عبد الله الفقيه مشرف مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية بقطر :

اللعب بالورق أو الكوتشينة إذا أدى إلى تضييع حق من الحقوق أو الصد عن فريضة من الفرائض كأن يتشاغل بها عن صلاة أو عن طاعة الوالدين أو غير ذلك مما أوجبه الله تعالى فإنها تكون محرمة عندئذ، وأما إن كانت لا تضيع حقا من الحقوق ولا تشغل عن طاعة الله فإن اللعب بها يكون من خوارم المروءة إذا أكثر الرجل منها.

هذا إذا كان اللعب بها من غير عوض فإن كان بعوض كان التحريم واضحاً، لأنها حينئذ ميسر والله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) [المائدة: 90].

وكذا تحرم قطعاً إذا أدى اللعب بها إلى إثارة العداوة أو البغضاء، ويجب على المؤمن أن يحفظ وقته، وأن يحرص أن لا يفوته إلا فيما ينفعه في أمر دينه، أو دنياه، فإن الوقت من أغلى ما أنعم الله به على الإنسان، لذلك كان من أول ما يسأل عنه يوم القيامة، كما في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم”.
وقال صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ” رواه البخاري

 

ويقول الشيخ شرف الدين أحمد إسماعيل (عضو لجنة الفتوى بالأزهر):
إن المسلم مسئول أمام الله تعالى عن عمره، ولا ينبغي أن يضيع عمره في غير فائدة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ).
إذن السؤال عن العمر وقضائه، فإذا كان في غير فائدة تعود عليه وعلى المسلمين فهو مسئول عنه. وإن لعب الورق ـ الكوتشينة ـ مضيعة للوقت وليس فيه فائدة للمسلم لأن وقت المسلم هو حياته ورأس مال عمله وعبادته فلا يحل له أن يضيعه هباء، ولقد قال الله تعالى : (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) ـ والميسر قيل إنه لعب النردشير ويقاس عليه لعب الورق ـ الكوتشينة لأنه مضيعة للوقت ولهو عن ذكر الله تعالى، لذا فهو حرام حتى لو كان للتسلية وذلك أيضًا لأنه من عمل الشيطان وممكن أن يجر إلى لعب القمار، فالبعد عنه أولى سدا للذرائع . أهـ

وقد سئلت اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية عن لعب الورق إذا كان لا يلهي عن الصلاة ومن غير أموال فأجابت :
اللعب بالورق لا يجوز ، ولو كان بغير عوض ، لأن الشأن فيه أنه يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، وإن زعم أنه لا يصدُّ عن ذلك ، ثم هو ذريعة إلى الميسر المحرم بنص القرآن ، قال تعالى : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) المائدة .
وهذه اللعبة لها أثر على المجتمع ، فإن روابط المجتمع السليم تتحقق بأمرين : اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه ، ويتفكك المجتمع بترك شيء من الواجبات أو فعل شيء من المحرمات ، وهذه اللعبة من العوامل التي تؤثر على المجتمع ، فهي سبب في ترك الصلاة جماعة ، وينشأ عنها التباعد والتقاطع والشحناء والتساهل في ارتكاب المحرمات كما أنها مورثة للكسل عن طلب الرزق . أهـ

 ويقول فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربية السعودية :

اللعب بالورق تنعدم فيه المقاصد الإسلامية من مشروعية الترويح والترفيه ، فلا يكسب مهارة جهادية ولا خبرة علمية ولا فائدة اجتماعية ، أو استراحة نفسية تهدأ فيها الأعصاب وترتاح بها النفوس .
إنها لعبة مجردة من كل خير ، بل هي محض هرج وجدل وقتل وقت ، ترتكز على التخمين والحدس ، فشابهت النرد ، وتفضي إلى الخصام والشجار فشابهت الخمر والقمار .
وبناء على ما تقدم لا أبعد النجعة إن اخترت التحريم في حكمها على الكراهة ، قياساً على النرد بجامع التخمين في الأول والإفضاء إلى النزاع والخصام في الثاني .
وقد ذهب إلى نفس الاختيار الشيخ ابن حجر الهيثمي وبه قال علماؤنا المعاصرين الشيخ محمد بن صالح العثيمين من فقهاء المملكة العربية السعودية ، ونقله عن مشايخه ، بناء على إفضائها إلى العداوة والبغضاء ، والإلهاء الشديد والصدّ عن ذكر الله وضياع الأوقات وتفويتها في غير طاعة الله .
ويستأنس لصحة هذا الاختيار ما أصدره أحد ملوك فرنسا من أوامر تقتضي بمنع الناس من هذه العادة أثناء النهار ، وإلقاء القبض على كل من يخالف هذا الأمر تحت طائلة القصاص . وذلك لما أدى إليه شغف الفرنسيين بهذه اللعبة ، إذ صاروا ينصرفون عن أعمالهم ومشاغلهم إلى لعب الورق .
ولم يكن القصاص الذي قرره هذا الملك يتعدى سجن المخالف مدة قصيرة ، ولكن ما لبث أن انضم إليه العامل الرادع في ضرب المخالف بالعصا ضرباً مبرحاً .
على أن هذه الأوامر وغيرها لم تستأصل عادة اللهو بورق اللعب سوى أن الناس فضلوا اللعب سراً لا علانية .

والله أعلم .