السؤال:

هل يوجد في الفقه الإسلامي تفريق بين الزوجين بسبب عدم التكافؤ في النسب؟ وهل يملك أي أحد من أهلها  أن يرفع دعوى التفريق حتى لو مر على الزواج سنوات طوال ونتج عن الزواج أولاد؟ وماذا عن رأيها هي ؟ ألا يحسم رأيها الموضوع؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

 

 

اختلف الفقهاء اختلافا واسعا في حكم اشتراط الكفاءة بين الزوجين، ويمكن تصنيف آراء الفقهاء في ذلك إلى ثلاثة اتجاهات، طرفان ووسط:

 

 

فالطرف الأول: يمثله ابن حزم الظاهري، حيث لم يشترط التكافؤ إلا في العفة في مقابلة الزنا ،فقال: “أي مسلم –ما لم يكن زانيًا- فله الحق في أن يتزوج أية مسلمة، ما لم تكن زانية”.
قال: وأهل الإسلام كلهم إخوة لا يحرم على ابن من زنجية لغية (غير معروفة النسب ) نكاح لابنة الخليفة الهاشمي..

والفاسق المسلم الذي بلغ الغيبة من الفسق –ما لم يكن زانيًا- كفء للمسلمة الفاسقة ما لم تكن زانية.

 
قال: والحجة قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) .

 

 

والطرف الثاني : يمثله جمهور الفقهاء، حيث أدخلوا النسب في الكفاءة، فلا بد أن يكون الزوج مكافئا لنسب زوجته، وإن كان بين هذا الاتجاه تفصيلات وخلافات في بعض الأمور.

 

 

والوسط ، يمثله المذهب المالكي، قال الشوكاني:ونقل عن عمر، وابن مسعود، وعن محمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز. ورجحه ابن القيم فقال:فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم اعتبار

الكفاءة في الدين أصلاً وكمالاً. فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر.. ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث ولم يعتبر نسبًا، ولا صناعة، ولا

غنى، ولا حرفة.. فيجوز للعبد القن نكاح المرأة النسبية الغنية إذا كان عفيفًا مسلمًا.. وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات.

 

 

إذن فلا نكاد نرى خلافا بين الفقهاء في اشتراط الكفاءة بين الزوجين من حيث المبدأ ، ولكن الخلاف في  محددات هذه الكفاءة ومجالاتها. ويبقى السؤال ، ما حكم الزواج الذي لا تراعى فيه الكفاءة بين

الزوجين؟

 

 

لقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الكفاءة شرط من شروط النكاح ، بحيث يبطل النكاح إذا لم تراع الكفاءة بين الزوجين، ومع ضيق هذا المذهب وشدته إلا أنه يبدو أضيق وأشد حينما يتسع منظاره لمجالات

الكفاءة! وهذه رواية  في المذهب الحنبلي، وبالفعل فإن المذهب الحنبلي يدخل النسب ضمن محددات الكفاءة. ومقتضى هذه الرواية أن النكاح يقع  باطلا عند فقدان الكفاءة ، فلا تملك الزوجة ولا

أولياؤها إهدار الكفاءة ولا التنازل عنها، فتكون الكفاءة شرطا من شروط النكاح ، لا حقا من حقوق الزوجة وأهلها، قال ابن قدامة :

 

 

“فإذا قلنا باشتراطها , فإنما يعتبر وجودها حال العقد , فإن عدمت بعده , لم يبطل النكاح ; لأن شروط النكاح إنما تعتبر لدى العقد . وإن كانت معدومة حال العقد , فالنكاح فاسد , حكمه حكم العقود

الفاسدة”

 

 

ولكن جمهور الفقهاء يرون أن الكفاءة ليست من شروط النكاح ، بل هي حق من حقوق الزوجة وأهلها، لهم أن يتنازلوا عنها ، ولهم أن يتمسكوا بها، وعند الحنابلة رواية بهذا تتفق مع ما ذهب إليه جمهور

الفقهاء، وهذه الرواية رجحها ابن قدامة فقال : ” والرواية الثانية عن أحمد أنها ليست شرطا في النكاح . وهذا قول أكثر أهل العلم . روي نحو هذا عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز , وعبيد بن

عمير وحماد بن أبي سليمان وابن سيرين وابن عون ومالك والشافعي وأصحاب الرأي والصحيح أنها غير مشترطة , وما روي فيها يدل على اعتبارها في الجملة , ولا يلزم منه اشتراطها ”

 

وجاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية :-

 

 

“اتفق الفقهاء على اعتبار الكفاءة في الدين وعلى ثبوت الفسخ بفوات هذه الكفاءة واختلفوا في صحة النكاح بدون ذلك وهما قولان مشهوران في مذهب أحمد وغيره.”

 

 

والسؤال الأهم من ذلك ، ماذا لو تنازل بعض الأولياء، وتمسك الباقون؟ وهل يكون قرار المرأة قرارا فاصلا في هذه المسألة ؟

 

 

يقول ابن قدامة :

 

فإن قلنا : ليست شرطا . فرضيت المرأة والأولياء كلهم , صح النكاح , وإن لم يرض بعضهم , فهل يقع العقد باطلا من أصله أو صحيحا ؟ فيه روايتان عن أحمد وقولان للشافعي أحدهما , هو باطل ; لأن

الكفاءة حق لجميعهم , والعاقد متصرف فيها بغير رضاهم , فلم يصح , كتصرف الفضولي .

 

 

والثانية , هو صحيح ; بدليل أن المرأة التي رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أباها زوجها من غير كفئها خيرها , ولم يبطل النكاح من أصله . ولأن العقد وقع بالإذن , والنقص الموجود فيه لا يمنع

صحته , وإنما يثبت الخيار , كالعيب من العنة وغيرها . فعلى هذه الرواية لمن لم يرض الفسخ . وبهذا قال الشافعي ومالك

 

 

وقال أبو حنيفة إذا رضيت المرأة وبعض الأولياء , لم يكن لباقي الأولياء فسخ ; لأن هذا الحق لا يتجزأ , وقد أسقط بعض الشركاء حقه , فسقط جميعه , كالقصاص . ولنا , أن كل واحد من الأولياء يعتبر رضاه

, فلم يسقط برضا غيره , كالمرأة مع الولي فأما القصاص فلا يثبت لكل واحد كاملا , فإذا سقط بعضه , تعذر استيفاؤه , وهاهنا بخلافه , ولأنه لو زوجها بدون مهر مثلها , ملك الباقون عندهم الاعتراض , مع

أنه خالص حقها , فهاهنا مع أنه حق لهم أولى . وسواء كانوا متساوين في الدرجة , أو متفاوتين , فزوج الأقرب , مثل أن يزوج الأب بغير كفء , فإن للإخوة الفسخ . وقال مالك والشافعي ليس لهم فسخ

إذا زوج الأقرب ; لأنه لا حق للأبعد معه , فرضاؤه لا يعتبر . ولنا , أنه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة , فملك الفسخ كالمتساويين . انتهى.

 

 

ونحن قد رجحنا مذهب المالكية ومن سمينا من السلف في أن الكفاءة لا تعتبر إلا في الدين، ولا يدخل فيها السن ولا النسب ولا الحرفة ولا الأوضاع الاجتماعية ولا المالية … ولا غيرها، وبهذا لا نكون

بحاجة إلى هذه التفصيلات والتشقيقات، ولا يكون لهذا كله أثر إلا إذا زوج الولي ابنته ممن لا يليق بها دينا ، كأن يزوجها من فاسق ( كشارب الخمر والمخدرات، أو ممن ماله حرام، أو ممن لا يصلي……)

فحينئذ يكون من حقها الاعتراض قبل العقد، ورفع دعوى إبطال العقد إذا أرغمت عليه ، كما يكون لوليها نفقس الحق إن هي تزوجت ممن لا يليق بها دينا.

 

 

ومن جميل ما يذكر للمالكية أنهم أجازوا للمرأة ووليها أن يتنازلوا عن شرط الكفاءة ( وهي في  التدين فقط عندهم ، أي عدم الفسق)  إلا  أنهم  لم يجيزا لهم التفريط فيما يوجب الأمن للزوجة  حفظا

للنفوس، يقول العلامة الدردير المالكي في الشرح الكبير :

 

 

الكفاءة ….المعتبر فيها أمران ( الدين ) أي التدين أي كونه ذا دين أي غير فاسق لا بمعنى الإسلام ( والحال ) أي السلامة من العيوب التي توجب لها الخيار في الزوج لا الحال بمعنى الحسب والنسب

وإنما تندب فقط،

 

 

وللزوجة والولي  ترك الكفاءة ، وتزويجها من فاسق سكير يؤمن عليها منه وإلا رده الإمام , وإن رضيت لحق الله حفظا للنفوس …. ولكن السلامة من العيب حق للمرأة فقط وليس للولي فيه كلام .

 

 

 

 

والله أعلم .

 

وللمزيد طالع :

 

الكفاءة فى الزواج :شروطها وحقيقتها