السؤال:

ما حكم الرجوع في الهبة؟ و ما حكم رجوع الأب والأم والجد في هبتهم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

سبق أن أجبنا عن السؤال الأول، فعليك إجابة السؤال الثاني :

جاء في الموسوعة الفقهية :

لو وهب إنسان لرحمه، وأراد الرجوع فيما وهبه بعد قبضه، ففي غير الفروع يمتنع الرجوع باتفاق، أما الفروع فللعلماء فيهم ثلاثة آراء :

أ – منع الرجوع، وهو قول الحنفية، وهو رواية عن أحمد لحديث الحاكم مرفوعا : { إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها } وصححه وقال على شرط الشيخين.

ب – جواز الرجوع للأب ولسائر الأصول، إذا بقي الموهوب في سلطة الموهوب له، وهو قول الشافعية للحديث الصحيح : { لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده }. وفي شرح الروض كراهية ذلك، إن سوى بين أولاده في العطية.

ج – جواز الرجوع بالنسبة للأب والأم دون غيرهما، وهو قول المالكية، غير أن الأم لا تعتصر ( ترجع ) إلا من الكبير البالغ، ومن الصغير، إن كان أبوه حيا، فإن تيتم بعد الهبة، ففي الرجوع وجهان، وهذا ما لم يقل الواهب : هي لله تعالى، أو يجعلها صلة رحم، فإن كان كذلك امتنع الرجوع. وظاهر مذهب أحمد كالمالكية بالنسبة للأب، وظاهر كلام الخرقي كذلك بالنسبة للأم، لكن المنصوص عن أحمد أنه ليس لها الرجوع. وفي ذلك تفصيلات أخرى في أصل الحكم، ومستثنياته يرجع إليها في ( الهبة ). انتهى.

وقد ذكر ابن قدامة شروطا أربعة لجواز الرجوع، فقال :

وللرجوع في هبة الولد شروط أربعة :

أحدها أن تكون باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو إرث أو غير ذلك، لم يكن له الرجوع فيها، لأنه إبطال لملك غير الوالد. وإن عادت إليه بسبب جديد، كبيع أو هبة أو وصية أو إرث ونحو ذلك، لم يملك الرجوع فيها، لأنها عادت بملك جديد لم يستفده من قبل أبيه، فلا يملك فسخه وإزالته، كالذي لم يكن موهوبا له وإن عادت إليه بفسخ البيع لعيب أو إقالة أو فلس المشتري، ففيه وجهان: أحدهما: يملك الرجوع، لأن السبب المزيل ارتفع، وعاد الملك بالسبب الأول، فأشبه ما لو فسخ البيع بخيار المجلس أو خيار الشرط. والثاني: لا يملك الرجوع، لأن الملك عاد إليه بعد استقرار ملك من انتقل إليه عليه، فأشبه ما لو عاد إليه بهبة. فأما إن عاد إليه للفسخ بخيار الشرط أو خيار المجلس، فله الرجوع، لأن الملك لم يستقر عليه.

الثاني أن تكون العين باقية في تصرف الولد، بحيث يملك التصرف في رقبتها ، فإن استولد الأمة، لم يملك الأب الرجوع فيها، لأن الملك فيها لا يجوز نقله إلى غير سيدها. وإن رهن العين، أو أفلس، وحجر عليه، لم يملك الأب الرجوع فيها، لأن في ذلك إبطالا لحق غير الولد، فإن زال المانع من التصرف، فله الرجوع، لأن ملك الابن لم يزل، وإنما طرأ معنى قطع التصرف مع بقاء الملك، فمنع الرجوع، فإذا زال، زال المنع، والكتابة كذلك عند من لا يرى بيع المكاتب. وهو مذهب الشافعي وجماعة سواه. فأما من أجاز بيع المكاتب، فحكمه حكم المستأجر والمزوج. وأما التدبير: فالصحيح أنه لا يمنع البيع، فلا يمنع الرجوع. وإن قلنا : يمنع البيع، منع الرجوع. وكل تصرف لا يمنع الابن التصرف في الرقبة، كالوصية والهبة قبل القبض فيما يفتقر إليه والوطء والتزويج والإجارة والكتابة والتدبير، إن قلنا : لا يمنع البيع والمزارعة عليها وجعلها مضاربة أو عقد شركة، فكل ذلك لا يمنع الرجوع، لأنه لا يمنع تصرف الابن في رقبتها، وكذلك العتق المعلق على صفة. وإذا رجع وكان التصرف لازما، كالإجارة والتزويج والكتابة، فهو باق بحاله، لأن الابن لا يملك إبطاله، فكذلك من انتقل إليه وإن كان جائزا، كالوصية والهبة قبل القبض، بطل، لأن الابن يملك إبطاله. وأما التدبير والعتق المعلق بصفة : فلا يبقى حكمهما في حق الأب، ومتى عاد إلى الابن، عاد حكمهما . فأما البيع الذي للابن فيه خيار: إما لشرط أو عيب في الثمن أو غير ذلك، فيمنع الرجوع، لأن الرجوع يتضمن فسخ ملك الابن في عوض المبيع، ولم يثبت له ذلك من جهته. وإن وهبه الابن لابنه، لم يملك الرجوع فيه، لأن رجوعه إبطال لملك غير ابنه. فإن رجع الابن في هبته، احتمل أن يملك الأب الرجوع في هبته حينئذ، لأنه فسخ هبته برجوعه، فعاد إليه الملك بالسبب الأول. ويحتمل أن لا يملك الأب الرجوع، لأنه رجع إلى ابنه بعد استقرار ملك غيره عليه، فأشبه ما لو وهبه ابن الابن لأبيه.

الثالث أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد، فإن تعلقت بها رغبة لغيره، مثل أن يهب ولده شيئا، فيرغب الناس في معاملته، وأدانوه ديونا، أو رغبوا في مناكحته، فزوجوه إن كان ذكرا، أو تزوجت الأنثى لذلك، فعن أحمد روايتان : أولاهما : ليس له الرجوع، قال أحمد: في رواية أبي الحارث، في الرجل يهب لابنه مالا، فله الرجوع، إلا أن يكون غر به قوما، فإن غر به، فليس له أن يرجع فيها. وهذا مذهب مالك، لأنه تعلق به حق غير الابن، ففي الرجوع إبطال حقه، وقد قال عليه السلام : { لا ضرر ولا ضرار } . وفي الرجوع ضرر، ولأن في هذا تحيلا على إلحاق الضرر بالمسلمين، ولا يجوز التحيل على ذلك. والثانية: له الرجوع لعموم الخبر، ولأن حق المتزوج والغريم لم يتعلق بعين هذا المال، فلم يمنع الرجوع فيه.

الرابع:  أن لا تزيد زيادة متصلة، كالسمن والكبر وتعلم صنعة، فإن زادت، فعن أحمد روايتان : إحداهما : لا تمنع الرجوع، وهو مذهب الشافعي، لأنها زيادة في الموهوب، فلم تمنع الرجوع، كالزيادة قبل القبض والمنفصلة، والثانية: تمنع، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الزيادة للموهوب له لكونها نماء ملكه، ولم تنتقل إليه من جهة أبيه، فلم يملك الرجوع فيها، كالمنفصلة، وإذا امتنع الرجوع فيها، امتنع الرجوع في الأصل، لئلا يفضي إلى سوء المشاركة، وضرر التشقيص، ولأنه استرجاع للمال بفسخ عقد لغير عيب في عوضه، فمنعه الزيادة المتصلة كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح، أو نصفه بالطلاق، أو رجوع البائع في المبيع لفلس المشتري. ويفارق الرد بالعيب من جهة أن الرد من المشتري، وقد رضي ببدل الزيادة. وإن فرض الكلام فيما إذا باع عرضا بعرض، فزاد أحدهما، ووجد المشتري الآخر به عيبا، قلنا : بائع المعيب سلط مشتريه على الفسخ ببيعه المعيب، فكأن الفسخ وجد منه. ولهذا قلنا فيما إذا فسخ الزوج النكاح لعيب المرأة قبل الدخول : لا صداق لها، كما لو فسخته . وعلى هذا لا فرق بين الزيادة في العين، كالسمن والطول ونحوهما، أو في المعاني، كتعلم صنعة أو كتابة أو قرآن أو علم أو إسلام أو قضاء دين عنه. وبهذا قال محمد بن الحسن وقال أبو حنيفة : الزيادة بتعليم القرآن وقضاء الدين عنه لا تمنع الرجوع. ولنا أنها زيادة لها مقابل من الثمن، فمنعت الرجوع، كالسمن وتعلم الصنعة. وإن زاد ببرئه من مرض أو صمم، منع الرجوع، كسائر الزيادات. وإن كانت زيادة العين أو التعلم لا تزيد في قيمته شيئا، أو ينقص منها، لم يمنع الرجوع، لأن ذلك ليس بزيادة في المالية. وأما الزيادة المنفصلة، كولد البهيمة وثمرة الشجرة وكسب العبد، فلا تمنع الرجوع بغير اختلاف نعلمه والزيادة للولد، لأنها حادثة في ملكه، ولا تتبع في الفسوخ، فلا تتبع ههنا . وذكر القاضي وجها آخر أنها للأب . وهو بعيد، فإن كانت الزيادة ولد أمة لا يجوز التفريق بينه وبين أمه، و منع الرجوع ، لأنه يلزم منه التفريق بينه وبين أمه، وذلك محرم، إلا أن نقول إن الزيادة المنفصلة للأب، فلا يمنع الرجوع، لأنه يرجع فيهما جميعا، أو يرجع في الأم، ويتملك الوالد من مال ولده.

والله أعلم .