السؤال:

وردت أحاديث تأمر بالوضوء من لحوم الإبل وممّا مسّتْه النار، وتنهَى عن الصلاة في مبارِك الإبل دون مَرابِض الغنم، فهل هذا صحيح وما الحكمة في ذلك؟

الجواب:

روى مسلم أن رجلاً سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أأتوضّأ من لحوم الغنم؟ قال (إِنْ شِئْتَ فَتوضَّأْ وإِن شِئْتَ فَلا تَتوضّأ) قال الرجل: أتوضّأ من لحوم الإبل، قال: “نَعم فتوضّأ من لحوم الإبل” قال الرجل: أصلِّي في مرابِض الغنم؟ قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ “نعم” قال الرجل: أصلّي في مبارِك الإبل ؟ قال:لا.
وروى مسلم أيضًا (إنّما الوضوء ممّا مسّت النار ، توضّؤوا ممّا مسّت النار).

وروى أبو داود عن جابر: (كانَ آخرُ الأمرين من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترك الوضوء ممّا مسّت النارُ)؟

ذهب أكثر العلماء إلى أن أكل لحوم الإبل لا ينقضُ الوضوء، قال النووي: ممّن ذهب إلى ذلك الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس… وجماهير من التابعين ، ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم، محتجِّين بحديث جابر المذكور وهو عام يشمَل لحوم الإبل وغيرها، وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة ، وحكى عن أصحاب الحديث وعن جماعة من الصحابة، إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل اعتمادًا على الحديثين الأوّلين. والجمع بين أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالوضوء من لحوم الإبل وما كان عليه في آخر الأمر من ترك الوضوء ممّا مسّت النار ـ هذا الجمع فيه كلام كثير لعلماء الأصول لا يتّسع له المقام، وقد رأى بعض العلماء أن الأمر بالوضوء يُراد به غَسل اليدين، أي الوُضوء اللغوي.

وإن كان هذا الرأي فيه مناقشة عند إيراده للجمع بين الوضوء وعدمه. والمختار للفتوى هو رأي جمهور الفقهاء من عدم نقض الوضوء بأكل لحوم الإبل أو ما مسّته النار… أما الصّلاة في مبارِك الإبل فهي حرام عند أحمد، وقال: لا تصحّ، فإن صلّى فعليه الإعادة، وسُئِل مالك عمّن لا يجد إلا عطن إبل هل يصلِّي فيه؟ فقال: لا يصلي فيه، قيل: فإنْ بَسَط عليه ثوباً؟ قال: لا ، وقال ابن حزم: لا تحِلّ في عَطَن إبل.

أما جمهور الفقهاء فقالوا: إن الصلاة تصحُّ في مبارك الإبل، وحملوا النهي على الكراهة إذا لم تكن هناك نَجاسة، وعلى التحريم إن وجدت النّجاسة، وليست علّة قولهم هي النجاسة، فإنها موجودة في مرابِض الغنم، بل لأن الإبل فيها نفور، فربّما نفرت والإنسان يصلِّي فيؤدِّي نفورها إلى قطع الصلاة، أو إلى أذى يحصُل له منها، أو يشوِّش خاطِره ويلهيه عن الخشوع، ويؤيّد هذا التعليل حديث أحمد بإسناد صحيح “لا تصلُّوا في أعْطان الإبل فإنها خُلِقَت من الجِنّ، ألا ترَوْن إلى عيونِها وهيئتها إذا نفرتْ” أما الصلاة في مرابِض الغنم فهي جائزة بنصِّ الحديث لعدم وجود العلة الموجودة في مبارك الإبل.