السؤال:

كنا مجموعة من الجامعيين المثقفين ثقافة (مدنية) كما يطلقون عليها، أعني أننا من خريجي الجامعات الحديثة، لا من خريجي الأزهر الشريف، وكلياته العريقة، وكنا نتحدث في أمور الدين، حيث إن معظمنا من المتدينين، الذين يحرصون على أداء الفرائض، واجتناب المحرمات. وانجرّ الكلام إلى الأحاديث النبوية، وما دخل عليها من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة. . التي حشيت بها بعض الكتب، ونقلها بعض رجال الحديث، فشوهت جمال الإسلام. وانتهى بحثنا إلى أن على المسلم أن يعمل عقله في معنى أي حديث يجده، فإذا لم ينسجم مع مقتضى العقل رده وأنكره، ولا حرج عليه، لأن الإسلام لا يأتي بما يرده العقل، أو يناقض ما يقرره العلم. وكان معنا بعض الزملاء الذين لهم دراية بعلم الدين أكثر منا، فقال: إن الحديث يجب أن ينظر إليه من ناحية سنده، أي سلسلة رواته الذين رووه، والنظر في مدى قبوله أو رده، ولا يجوز النظر إلى المعنى، الذي قد يخفى على عقولنا القاصرة، فيترتب على ذلك أن نرد الحديث الصحيح بغير حجة معتبرة. أرجو أن تفصل بيننا في هذه المسألة المهمة، حتى لا تزل أقدامنا، ونقول في الدين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
جدير بالمسلم أن يهتم بأمر دينه فالدين هو جوهر الوجود وروح الكون، والقضية الدينية هي قضية الإنسان الأولى، وهي القضية المصيرية حقًا، لأنها تتعلق بالأزل والأبد، بالخلود في الجنة، أو الخلود في النار.

وجميل بالمثقفين من أبناء الإسلام إذا جلسوا، بعضهم إلى بعض أن يتحدثوا في أمور الدين، ويبحثوا فيها، فليس الدين حكرًا على أصحاب الثقافة الدينية وحدهم، بل إن فرضًا على كل مسلم أن يعرف من دينه ما يصحح عقيدته، ويضبط عبادته، ويقوم سلوكه، ويقف به عند حدود الله في أمره ونهيه، وحلاله وحرامه.

ولكن غير الجميل أن يخوض المسلم في خبايا العلم ومشكلاته، دون دليل يهديه من أهل الاختصاص الثقات، فمن المقرر المتفق عليه بين العقلاء: أن لكل فن رجاله ولكل علم أهله، الذين يرجع إليهم عند الاختلاف، ويحتكم إليهم عند التنازع، وهم الذين أشار إليهم القرآن بقوله: (ولا ينبئك مثل خبير) (فاطر: 14). (فاسأل به خبيرًا) (الفرقان: 59)، (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (النحل: 43)، (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (النساء: 83).

والقضية التي بحث فيها السائل وزملاؤه – وهي معرفة صحة الحديث أو ضعفه وهل ينظر فيها إلى السند أو إلى المتن أو إلي كليهما؟ – قضية علمية دقيقة، لا يقدر على الحكم فيها من كان حظه من الثقافة الإسلامية الأصيلة حظًا متواضعًا، بل ليس كل من درس علم الدين وحصل على شهادة من كلية دينية، قادرًا على ذلك، إنما يقدر عليها من رسخت قدمه في علوم الشريعة عامة، وفي علوم الحديث خاصة، ولم يكن من الحرفيين الجامدين على القديم، ولا المتعجلين المبهورين بالجديد.

ولقد عرَّف علماء السنة المختصون الحديث الصحيح بتعريف جامع مانع، وهو: ما اتصل سنده برواية عدل تام الضبط من أول السند إلى منتهاه، وسلم من الشذوذ والعلة.
فأول ما ينبغي النظر فيه – بالنسبة لعالم الحديث – هو السند، ونعني بالسند: سلسلة الرواة من آخر راوٍ إلى الصحابي الذي روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والصحابة في نظر أهل السنة وجمهور المسلمين كلهم عدول عدلهم الله تعالى في كتابه في آيات كريمة متلوة إلى ما شاء الله، وعدلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث صحيحة موفورة مشهورة.

فإذا ثبتت الصحبة فلا كلام في الصحابي، إنما البحث عمن دونه من الرواة، فلا بد من معرفة كل واحد منهم: معرفة شخصه وعينه، ومعرفة: حياته وسيرته، وشيوخه وتلاميذه، وميلاده ووفاته، ولهذا نشأ ونما (علم الرجال) وعلم (الجرح والتعديل) وألفت في ذلك كتب جمة، لتقويم الرواة توثيقًا أو تضعيفًا.

وضعف حلقة واحدة من سلسلة السند، يجعل الحديث كله مردودًا. سواء كان هذا الضعف من جهة عدالة الراوي أو أمانته، أم ناحية حفظه وضبطه، ولكي يكون الحديث في مرتبة (الصحيح) لا بد أن يكون حفظ الراوي في درجة (ممتاز) أو (جيد جدًا) بتعبير عصرنا. . فإذا نزل إلى درجة (جيد) أو (مقبول) فالحديث (حسن) فقط، وهو معتبر لدى العلماء، ولكنه دون الصحيح، وهذا له أهمية عند التعارض.

ولا بد أن يكون السند متصلاً من مبدئه إلى منتهاه، فلو كان هناك حلقة مفقودة أو منقطعة في أول السلسلة أو وسطها أو آخرها، فإن الحديث ينزل إلى درجة الضعف، فإذا كان هناك أكثر من حلقة مفقودة فإن الضعف يزداد، و(الانقطاع في السند) يعرفه أهل الاختصاص بدلائل كثيرة مبسوطة في مواضعها من كتب العلم المتخصصة.

ولا بد لكي يكون الحديث صحيحًا – أن يسلم من أمرين هما: .
1- الشذوذ.
2- والعلة.
والمراد بالشذوذ: أن يروي الراوي الثقة حديثًا يخالف فيه من هو أوثق منه، وهذا يعرف بمقارنة الراويات بعضها ببعض.
وهذا أمر يتعلق بمعنى الحديث ومتنه في الغالب.
فإذا انفرد الثقة بحديث أو بزيادة فيه أو نقص منه، مخالفًا راوٍيًا أوثق منه، أو عددًا من الرواة الثقات، فإن حديثه يحكم عليه بالضعف من أجل هذا الانفراد، أو الشذوذ.
وأما العلة: فهي أمر خفي قد يكون في متن الحديث، أو في سنده لا يطلع عليه إلا أهل البصيرة من جهابذة الحديث ونقاده الذين يكتشفون العلل المستورة، كما يكتشف الطبيب الحاذق العلة الكامنة في بدن ظاهره الصحة والسلامة.

والظاهر من مسلك علماء الحديث أنم ركزوا على السند أكثر من تركيزهم على المتن. وهذا له سببه المعروف.
ولكن ليس معنى هذا أنهم أهملوا المتن تمامًا، كما يتوهم بعض الذين لم يتعمقوا في علوم الحديث، فكثيرًا ما تكلموا عن المتون ورووها لمخالفتها لقواطع القرآن أو السنة أو العقل، أو الحس، أو التاريخ، أو غير ذلك، وقد اعتبروا من علامات وضع الحديث وكذبه، أمورًا تتعلق بالراوي، وأمورًا تتعلق بالمروي، أي بنص الحديث.

فمما يتعلق بالمروي: أن يكون ركيك اللفظ، غير جار على أساليب العربية وقواعدها.
أو يكون ركيك المعنى، لا يليق أن يصدر مثله من مشكاة النبوة مثل “الباذنجان شفاء من كل داء” أو “قُدس العدس على لسان سبعين نبيًا” ونحو ذلك.

أو يكون مناقضًا لصريح العقل.
أو يكون مناقضًا للواقع المحس والمشاهدة.
أو يكون مناقضًا لحقائق الدين الثابتة بالقرآن أو بمتواتر السنة.
أو يكون منافيًا لحقائق التاريخ الثابتة.

قال ابن الجوزي: (ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع) (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/274 وما بعدها).
وقد أجاد في ذلك الداعية الفقيه الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله- في كتابه “السنة ومكانتها في التشريع”.
بل أريد أن أقول: إن البحث في السند ليس منفصلاً عن البحث في المتن.

فإنهم كثيرًا ما ينظرون إلى الرواة من خلال مجموع ما يروونه، فإذا وجدوا راوٍيًا ينفرد برواية (الغرائب) من الأحاديث، نزلوا به إلى منزلة (الضعفاء) أو (المتروكين)، وقالوا في مثله: يروي الغرائب، أو لا يتابع على حديثه وكثيرًا ما يسردون هذه الأحاديث التي انفرد بها، تنبيهًا عليها، وتحذيرًا منها كما نجد ذلك في كتاب (الكامل) لابن عدي، و(الميزان) للذهبي.

وهناك أنواع من الحديث الضعيف، يكون سبب ضعفها مشتركًا بين المتن والسند، مثل: المضطرب، والمقلوب، والمعل، والشاذ، والمنكر، والمصحف، والمحرف.

ومن أنواع علوم الحديث: ما يتعلق بالمتن وحده، مثل معرفة: (المرفوع)، و(الموقوف)، و(المقطوع).
ومنها: معرفة الحديث الإلهي أو القدسي.
ومنها معرفة (المدرج)، و(علم غريب الحديث) وفيه كتب جمة، ومثل (علم مختلف الحديث)، وقد برع فيه الإمام الشافعي، وألف فيه الإمام ابن قتيبة كتابه الشهير (تأويل مختلف الحديث)، كما ألف الإمام أبو جعفر الطحاوي كتابه الكبير (مشكل الآثار)، وقد طبع في أربع مجلدات، وألف الإمام ابن الجوزي (مشكل الصحيحين) وغيرها كثير.

وقبل ذلك (علم ناسخ الحديث ومنسوخه) ومن أشهر ما ألف فيه كتاب العلامة الحازمي (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار). ولأبي الفرج ابن الجوزي رسالة لطيفة في ذلك.
ومن هنا نقول: إن البحث في متن الحديث مقبول بل مطلوب، وإن الحديث الذي يرفضه العقل مردود بلا شك.
بيد أن الأمر المهم هنا، هو: من الذي ينظر في متن الحديث ليعرف مدى قبوله من عدمه؟ ومن الذي يقول: إن هذا الحديث يرفضه العقل، فهو ضعيف؟.

إن إعطاء هذا الحق لكل من هب ودب من الناس، غير مقبول شرعًا ولا عقلاً، وإنما يجب أن يعطى هذا للثقات من أهل الاختصاص، وهم الذين جاء في مثلهم قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (النساء: 83).

فكم من حديث ينكر ظاهره لأول وهلة، وله تأويل سائغ عند أهل العلم، ممن الواجب مراجعتهم فيه.
ومن المعروف أن اللغة فيها الحقيقة والمجاز، وفيها الصريح والكناية، فلا يحسن رد الحديث بحمله على الحقيقة، مع أنه يحتمل المجاز، أو الكناية.
وقد وضحت ذلك في كتابي (كيف نتعامل مع السنة) وذكرت له أمثلة غير قليلة.

وبعض الناس يتسرع في رد الحديث – الذي ثبتت صحته عند العلماء – بدعوى أنه يناقض صريح العقل، أو يناقض مقررات العلم، أو يعارض ثوابت الدين.
فإذا دققت النظر في دعواه لم تجدها تقوم على ساقين ووجدتها كلامًا بلا بينة.

وقد تجد ما ادعى أنه صريح العقل ليس إلا وهمًا توهمه صاحب الدعوى، فالحديث مناقض لعقله هو، ليس للعقل المجرد، أو العقل العام.
والمدرسة العقلية كثيرًا ما تجترئ على رد الأحاديث الثابتة، دون حجة مقنعة، كما فعلت المعتزلة في رد أحاديث الشفاعة، أو أحاديث رؤية الله في الآخرة، ورد بعضهم أحاديث سؤال القبر وما يعقبه من نعيم وعذاب (انظر: فصل -رد الأحاديث الصحاح- من كتابنا -المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة).

وكثيرًا ما يكون استبعاد وقوع الشيء – لاستحالته في العادة – سببًا في رد الحديث، واستحالة الشيء عادة لا توجب استحالته عقلاً وأصل الدين قائم على الإيمان بالغيب، فلا ينبغي أن يستبعد شيء صح به النقل عن المعصوم، ما دام في دائرة الإمكان، وهي دائرة جد رحبة.
ومن الناس من رد الحديث الصحيح لظنه أنه مخالف لمقررات العلم، وبالبحث يتبين أن ما ظنه من المقررات العلمية القطعية ليس إلا نظريات ظنية، أو آراء افتراضية، أو تخمينية.

كما تجلى ذلك في آراء (دارون) و”نظريته في النشوء والارتقاء” أو (نظرية التطور).
وكذلك كثير من النظريات التي تفسر بعض الظواهر في علوم النفس والاجتماع.
والعلوم الإنسانية والاجتماعية بصفة عامة، فهذه العلوم كلها (علوم ظنية) ولا ترقى إلى مرتبة القطع واليقين كما أكد ذلك أهل الاختصاص المنصفون، ولهذا تتغير النظريات والآراء في هذه العلوم من عصر إلى آخر، بل من بيئة – في العصر الواحد – إلى أخرى، بل من عالم باحث إلى آخر.
وبعض الناس رد الحديث الصحيح؛ لأنه في نظره معارض للكتاب ولما ثبت من الدين بنصوص أخرى.

فإذا تأملت ما ذكره لم تجد تعارضًا حقيقيًا، يستوجب رد الصحيح، وفي الستينيات اجترأ أحد الكتاب في إحدى المجلات الذائعة الانتشار على رد حديث في صحيح البخاري؛ لأنه رآه – في ظنه – مخالفًا للقرآن، ولم يكن الأمر كما زعم، والحديث صحيح، وإنما الخطأ في فهمه.

ابن القيم يربط بين السند والمتن:.
وقد ذكر الإمام المحقق ابن القيم في كتابه (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) أنه سئل: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط، من غير أن ينظر في سنده؟.

وأجاب ابن القيم عن هذا السؤال إجابة مستفيضة مفصلة استغرقت جل كتابه (نشره مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب بتحقيق وتعليق عبد الفتاح أبو غدة).
قال في مطلعها: (هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلمُ ذلك مَنْ تضلَّع في معرفة السُّنَن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها مَلَكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهدْيه، فيما يأمر به وينهى عنه ويُخبِرُ عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة. بحيث كأنه مخالطٌ للرسول -صلى الله عليه وسلم- كواحد من أصحابه.

فمثل هذا: يَعْرِفُ من أحوال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهديه وكلامه وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز: ما لا يعرفه غيره وهذا شأن كل متبع مع متبوعه، فإنَّ للأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح: ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم، يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم.

ضوابط كلية موضوعية لمعرفة الحديث المكذوب:
قال: ونحن ننبه على أمور كلية، يُعرَفُ بها كون الحديث موضوعًا: .

المجازفات والمبالغات :  فمنها: اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي كثيرة جدًا، كقوله في الحديث المكذوب: “من قال لا إله إلا الله: خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له، ومن فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة، في كل مدينة سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف حوراء”.

وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حالُ واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحُمْق، وإما أن يكون زِنْدِيقًا قصد التنقيص بالرسول -صلى الله عليه وسلم- بإضافة مثل هذه الكلمات إليه.

ـ تكذيب الحس والمشاهدة للحديث:  ومنها تكذيب الحسِّ له، كحديث: “الباذنجان لما أكل له”، و”الباذنجان شفاء من كل داء” قَبَّح الله واضعهما. فإن هذا لو قاله يوحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه ولو أُكِلَ الباذنجان للحُمَّى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة، ولو أكله فقير ليستغني، لم يفده الغني، أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم.
وكذلك حديث: “إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقه”. وهذا – وإن صحح بعض الناس سنده – فالحس يشهد بوضعه، لأنا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله! ولو عطس مائة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق.
وكذلك حديث: “عليكم بالعدس، فإنه مبارك يُرقق القلب، ويكثر الدمعة، قدَّسَ فيه سبعون نبيًا”. وقد سُئل عبد الله بن المبارك عن هذا الحديث؟ وقيل له: إنه يروى عنك! فقال: وعني أيضًا؟!.
أرفعُ شيء في العدس أنه شهوة اليهود، ولو قدس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء فكيف بسبعين نبيًا؟ وقد سمَّاه الله تعالى (أدنى) (البقرة: 61) ونعى على من اختاره على المنَّ والسَّلوْى، وجعله قرين الثوم والبصل. أفترى أنبياء بني إسرائيل قدَّسوا فيه لهذه العلة والمضار التي فيه، من تهييج السوداء، والنفخ، والرياح الغليظة، وضيق النفس، والدم الفاسد، وغير ذلك من المضار المحسوسة؟!.
ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على المن والسلوى أو أشباههم.
ومن ذلك حديث: (إن الله خلق السماوات والأرض يوم عاشوراء).
وحديث: “اشربوا على الطعام تشبعوا”؛ فإن الشراب على الطعام يفسده، ويمنع من استقراره في المعدة، ومن كمال نُضجه.
ومن ذلك الحديث: “أكذب الناس الصبَّاغون والصوَّاغون” (وقد رواه عن أبي هريرة ابن ماجه في “سننه” 2/728 وقال البوصيري في “الزوائد”: “إسناده ضعيف، لأن فيه فرقدًا السبخي ضعيف، وعمر بن هارون، كذّبه ابن معين وغيره”.
وقال السخاوي في “المقاصد الحسنة” 76 عند هذا الحديث: “رواه ابن ماجه وأحمد- في “المسند” 2/292،324،345 – وغيرهما عن أبي). . والحس يرد هذا الحديث. فإن الكذب في غيرهم أضعافه فيهم، كالرافضة – فإنهم أكذب خلق الله – والكُهَّان، والطَّرائقيين، والمنجِّمين.

ـ كونه مما يسخر منه: .  ومنها: سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه، كحديث: “لو كان الأرز رجلاً لكان حليمًا، ما أكله جائع إلا أشبعه” فهذا من السَّمج البارد، الذي يصان عنه كلام العقلاء فضلاً عن كلام سيد الأنبياء.
وحديث ” الجوْز دواء والجبن داء فإذا صار في الجوف صار شفاء” فلعن الله واضعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحديث: “لو يعلم الناس ما في الحلبة (هي حب نبتٍ معروف). لاشتروها بوزنها ذهبًا”.
وحديث: “أحضروا موائدكم البقل، فإنه مطردة للشيطان”.
وحديث: ” ما من ورقة هندباء إلا وعليها قطرة من ماء الجنة “.
وحديث: “بئست البقلة الجرجير، من أكل منها ليلاً بات ونفسه تنازعه، ويضرب عرق الجذام في أنفه، كلوها نهارًا، وكُفُّوا عنها ليلاً”.
وحديث: “فضل دُهن البنفسج على الأدهان، كفضل أهل البيت على سائر الخلق”.

ـ مناقضة الحديث للصحيح الثابت من السنة: – ومنها: مناقضته لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بيّنة.
فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه بريء.
ومن هذا الباب: أحاديث مدح من اسمه محمد أو أحمد، وأن كل من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار.
وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه -صلى الله عليه وسلم-: “أن النار لا يُجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة.
ومن هذا الباب: أحاديث كثيرة عُلِّقت النجاة من النار بها، وأنها لا تمس من فَعَل، وغايتها: أن تكون من صغار الحسنات، والمعلوم من دينه -صلى الله عليه وسلم- خلاف ذلك، وأنه إنما ضمن النجاة منها لمن حقق التوحيد.

ـ تكذيب الشواهد له:  ومنها  أن يُدَّعَى على النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه، كما يزعم أكذب الطوائف: أنه -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بمحضر من الصحابة كلهم، وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع. ثم قال: “هذا وصيي وأخي، والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا”، ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته، فلعنة الله على الكاذبين.
وكذلك روايتهم: “أن الشمس ردت لعلي بعد العصر والناس يشاهدونها” ولا يشتهر ذلك أعظم اشتهار ولا يعرفه إلا أسماء بنت عميس!.

ـ بطلانه في نفسه لمناقضته العقل:  ومنها: أن يكون الحديث باطلاً في نفسه، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
كحديث: “المَجَرَّةُ التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش”.
وحديث: “إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية”.

ـ ألا يشبه كلام النبوة وهدايتها:  ومنها: أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلاً عن كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي هو وحي يوحى، كما قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (النجم: 4) أي وما نُطْقُهُ إلا وحي يوحى، فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي، بل لا يشبه كلام الصحابة.
كحديث: “ثلاثة تزيد في البصر: النظر إلى الخضرة والماء الجاري، والوجه الحسن”.
وهذا الكلام مما يجل عنه أبو هريرة وابن عباس، بل سعيد بن المسيب والحسن، بل أحمد ومالك رحمهم الله.
وحديث: “النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر”. وهذا ونحوه من وضع بعض الزنادقة.
وحديث: “عليكم بالوجوه الملاح، والحدق السود، فإن الله يستحي أن يعذب مليحًا بالنار”. فلعنة الله على واضعه الخبيث.
وكل حديث فيه ذكر حسان الوجوه، أو الثناء عليهم، أو الأمر بالنظر إليهم، أو التماس الحوائج منهم، أو أن النار لا تمسهم: فكذب مختلق، وإفك مفترى.

ـ ومنها: أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق
كحديث: “الهريسة تشد الظهر”.
وكحديث: “أكل السمك يوهن الجسد”.
وحديث: “الذي شكا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قلة الولد، فأمره أن يأكل البيض والبصل”.
وحديث: “أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها، فأعطيت قوة أربعين رجلاً في الجماع”.
وحديث: “المؤمن حُلو يُحبّ الحلاوة”.

ـ اشتماله على تحديد تواريخ معينة:  مثل قوله”إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت”.
كقول الكذَّاب الأشِر: “إذا انكسف القمر في المحرَّم كان الغلاء، والقتال وشُغل السلطان، وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذا”. واستمر الكذاب في الشهور كلها، وأحاديث هذا الباب كلها كذب مفترى.

ـ مخالفته لصريح القرآن: كحديث مقدار الدنيا: “وأنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة”.
وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مائتان وأحد وخمسون سنة (استُفيدَ من هذا أن الإمام ابن القيم ألف هذا الكتاب في سنة 749، قبل وفاته -سنة 751- بنحو ثلاث سنوات رحمه الله تعالى وأكرمه برضوانه). والله تعالى يقول: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله) (الأعراف: 187)، وقال تعالى: (إن الله عنده علم الساعة) (لقمان 34).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله (هو جزء من حديث رواه البخاري عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم).
ومن ذلك: الحديث الذي يُروى في الصخرة: “أنها عرش الله الأدنى”. تعالى الله عن كذب المفترين.
ولما سمع عروة بن الزبير هذا، قال: سبحان الله، يقول الله تعالى: (وسع كرسيه السماوات والأرض) (البقرة: 255). وتكون الصخرة عرشه الأدنى؟!.

ـ سماجة المعاني ومناقضتها لمبادئ الإسلام: ك ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها، بحيث يمجها السمع، ويدفعها الطبع، ويسمج معناه للفطن.
كحديث: “أربع لا تشبع من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر”.
وحديث: “ذمِّ الحاكة، والأساكفة، والصوَّاغين، أو صنعة من الصنائع المباحة”: .
كذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذ لا يذم الله ورسوله الصنائع المباحة.
وحديث: “إن لله ملكًا من حجارة، يقال له: عمارة، ينزل على حمار من حجارة كل يوم، فيسعر الأسعار ثم يعرج”.
ومنها: أحاديث ذم الحبشة والسودان، كلها كذب (ذلك لأنها تناقض ما جاء به الإسلام من المساواة بين الناس، وإلغاء الفوارق اللونية والعنصرية وأن الناس إنما يتفاضلون بالتقوى).
كحديث: “الزنجي إذا شبع زنى، وإذا جاع سرق”.
وحديث: “إياكم والزنجي فإنه خلق مشوه”.
وحديث: “دعوني من السودان، إنما الأسود لبطنه وفرجه”.
وحديث: “رأى طعامًا فقال: لمن هذا؟ قال العباس: للحبشة أُطعمهم، قال: لا تفعل، إنهم إن جاعوا سرقوا، وإن شبعوا زنوا”.
ومنها: أحاديث ذم الترك، وأحاديث ذم الخصيان، وأحاديث ذم المماليك.
كحديث: لو علم الله في الخصيان خيرًا لأخرج من أصلابهم ذرية يعبدون الله”.
وحديث: “شر المال في آخر الزمان: المماليك”.
أحاديث المبالغات في فضائل الصحابة والأئمة والبلدان أو ذمها: .
ومما وضعه جهلة المنتسبين إلى السنة في فضائل الصديق رضي الله عنه: .
حديث: “إن الله يتجلى للناس عامة يوم القيامة، ولأبي بكر خاصة”.
وحديث: “ما صب الله في صدري شيئًا، إلا صببته في صدر أبي بكر”.
وحديث ” كان إذا اشتاق إلى الجنة قبَّل شيبة أبي بكر” .
وحديث: “أنا وأبو بكر كفرسي رهان”.
وحديث: “إن الله لما اختار الأرواح، اختار روح أبي بكر”.
وحديث عمر: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكر يتحدثان، وكنت كالزنجي بينهما”.
وحديث: “لو حدثتكم بفضائل عمر، عمر نوح في قومه ما فنيت، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر”.
وحديث: “ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، وإنما سبقكم بشيء وقر في صدره”. وهذا من كلام أبي بكر بن عياش (الذي جاء في “المقاصد الحسنة” للسخاوي ص 369 وغيره من كتب الموضوعات أنه “من قول بكر بن عبد الله المزني”).
وأما ما وضعه الرافضة في فضائل على: فأكثر من أن يعد. قال الحافظ أبو يعلي الخليلي في كتاب “الإرشاد”: وضعت الرافضة في فضائل علي -رضي الله عنه- وأهل البيت نحو ثلاثمائة ألف حديث.
ولا تستبعد هذا، فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال.
ومن ذلك: ما وضعه بعض جهلة أهل السنة في فضائل معاوية بن أبي سفيان. قال إسحاق بن راهويه: لا يصح في فضل معاوية بن أبي سفيان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء.
قلت: ومراده ومراد من قال ذلك من أهل الحديث: أنه لم يصح حديث في مناقبه بخصوصه، وإلا فما صح عندهم في مناقب الصحابة على العموم، ومناقب قريش، فمعاوية -رضي الله عنه- داخل فيه (وقد صنف في مناقبه ابن أبي عاصم وغلام ثعلب وأبو بكر النقاش، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد، قاله الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” 7/81).
ومن ذلك: ما وضعه الكذابون في مناقب أبي حنيفة، والشافعي على التنصيص على اسميهما.
وما وضعه الكذابون أيضًا في ذمهما عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما يُروى من ذلك كله كذب مختلق.
ومن ذلك: الأحاديث في ذم معاوية.
وكل حديث في ذمه فهو كذب.
وكل حديث في ذم عمرو بن العاص فهو كذب.
وكل حديث في ذم بني أمية فهو كذب.
وكل حديث في مدح المنصور والسفاح والرشيد فهو كذب.
وكل حديث في مدح بغداد أو ذمها، والبصرة، والكوفة، ومرو، وعسقلان، والإسكندرية، ونصيبين، وأنطاكية: فهو كذب.
وكل حديث في تحريم ولد العباس على النار، فهو كذب.
وكذا كل حديث في ذكر الخلافة في ولد العباس، فهو كذب.
وكل حديث في مدح أهل خراسان الخارجين مع عبد الله بن علي ولد العباس، فهو كذب.
وكل حديث فيه: أن مدينة كذا وكذا من مدن الجنة، أو من مدن النار، فهو كذب.

وحديث: عدد الخلفاء من ولد العباس كذب.
وكذلك أحاديث ذم الوليد، وذم مروان بن الحكم.
وحديث: ذم أبي موسى (الأشعري) من أقبح الكذب. أ. هـ.
وبهذا البيان الجامع تسقط المقولة التي تزعم أن علماء السنة لم يلقوا بالا لمضمون الحديث، وإنما كان كل بحثهم

ـ في سند الحديث ورجاله: ومن كلمات ابن القيم في بضع كتبه عندما ضعف بعض الأحاديث: لو كان سند هذا الحديث مثل الشمس لوجب رده. وما ذاك إلا من جهة المعنى المناقض للعقل أو النقل.
كل ما نؤكد هنا: أن هذا الحق – حق النقد للمتون والمضامين – لا يمنح لكل من هب ودرج الناس. فما أكثر الأدعياء المتطاولين، وما أكثر الجرآء بغير حق، والمتعالين بغير سلطان مبين!.
وقد بلوناهم، فلم نجد عند أحسنهم إلا القليل من العلم، والكثير من الادعاء والانتفاش، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هدى الله الجميع.
والله اعلم