السؤال:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرا، وبعد: أخي الكريم: لا تحزن لمثل هذا، ( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) واعلم أن الكلاب تنبح والقافلة تسير، وكما قيل: لو أن كل كلب […]

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرا، وبعد:

أخي الكريم: لا تحزن لمثل هذا، ( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) واعلم أن الكلاب تنبح والقافلة تسير، وكما قيل:
لو أن كل كلب عوى ألقمته حجرا …  لأصبـح الصخر مثقـالا بدينار

ومع هذا فنوجز لك رد هذه الشبهات فيما يلي:

أما مسألة رفض الرسول صلى الله عليه وسلم زواج الإمام علي كرم الله وجهه على ابنته السيدة فاطمة من ابنة أبي جهل فهو ليس معارضة لتشريع إلهي في القرآن، حاشا رسول الله أن يعارض تشريع ربه، ولعلك تقصد النسخ ، فهو ليس نسخا أيضا، بل هو كما ذكرت تصرف منه صلى الله عليه وسلم كبشر و كأب لفاطمـة وليس كنبي للأمـة وبالتالي لا يؤخذ رفضه كتشريع ، وإنما يؤخذ كرفض ولي أمر لشيء مباح تركه ليس بإثم .

وقد جاءت قصة هذا النهي في الحديث الذي أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه وأحمد من حديث المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها….. وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله أبداً.
وقد أخذ العلماء من عدم إذن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم:
يستأذنني علي بن أبي طالب في أن يتزوج على فاطمة ابنتي من ابنة أبي جهل.أهـ
ففي استئذان أبي الحسين النبي صلى الله عليه وسلم تعليق لموافقته على الزواج بموافقة أبي القاسم، وهنا لم يأذن له أبو القاسم في الزواج، فهذا في وادٍ، وما تستشهد به ضيفة الفضائيات في واد آخر، فإن تعدد الزوجات أمر مباح ويفهم هذا من الحديث حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم:لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، وسبب النهي عن الإذن قد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله أبداً.
فهذا الوصف لا يتحقق في الدنيا كلها إلا في امرأتين فقط، ابنة رسول الله صلى الله وابنة أبي جهل، أما غير ذلك فلا، ولذلك قال صاحب عون المعبود: فيه إشارة إلى إباحة بنت أبي جهل، لعلي رضي الله عنه، ولكن نهى عن الجمع بينها وبين بنته فاطمة رضي الله عنها، لأن ذلك يؤذيها، وأذاها يؤذيه صلى الله عليه وسلم، وخوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، فيكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله عليه السلام، وبنت عدو الله، قاله العلامة القسطلاني.

ثانيا :

نعم الإسلام دين تسـامح واحترام للأقليـات (وخاصة أهل الكتـاب ) مع أنه يصفهم بالكفرة والضالين والمغضوب عليهم، ولكن هذا الوصف ليس سبا وإنما بيان لحقيقة عقائدهم حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وإلا لكانت لهم حجة على الله يوم القيامة أنه لم يبين لهم الحقيقة وجاملهم، والمسلم يؤمن بكل ما قاله الله تعالى.

أما حب المسلم لزوجته فهو حب مودة عاطفي لا حب عقيدة، فهو يحبها ويكره عقيدتها ولا يقرها على الكفر أو الشرك، ومع هذا يعاملها بالحسنى كما أمر الله تعالى بالبر بأهل الكتاب وبغيرهم ممن لا يقاتلوننا في الدين ولم يظهروا لنا العداء.

ومع هذا فتزوج المسلم بالكتابية غير مستحب له إلا أن يطمع في إسلامها أو يكون في زواجه منها مصلحة معتبرة. وأما تعليمها أولاده القرآن وشرحها  إياه لهم  فغير وارد ، بل يجب على الأب أن يحافظ على أولاده أن تسلل إليهم عقيدة أمهم الكتابية، ولهذا كره العلماء منذ عصر الصحابة أن يتزوج المسلم كتابية، كما كرهوا أن يتزوج المسلمة غير الصالحة.

وحينما يعلمنا القرآن من الصغر قصصا عن خيـانة اليهود وأنهم أهل غدر فإنه يحرص على كشف الحقائق التي لا تفرض نفسها في الواقع على مر التاريخ، وهو مع هذا ذكر أن منهم مقسطون وقال فيهم ( ليسوا سواء) وأمر بالحذر من الأشرار منهم مع العفو عنهم عند القدرة عليهم والعفو عنهم إذا تابوا ، وأمر بالعدل والبر بمعتدلين منهم. ولم يظلمهم في شيء، وهذا لا ينكره منصف.

والمسلم يعيش في وسط اليهود  كما عاش النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معهم من قبل، فقد عاهدهم وعاقدهم وحالفهم على الخير، فلما نقضوا واعتدوا أجلاهم من المدينة ثم من غيرها ببغيهم .

وأما تأسيس الأحزاب وتوليتهم الوزارات والمناصب  فالعبرة بالأمانة، وهو شرط مع الكفاءة في المسلم قبل غير المسلم.

وأما قتال غير المسلمين فليس عاما، فقد عاش أهل الكتاب في ظل الحكم الإسلامي آمنين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ـ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ـ عبر العصور ، والتاريخ خير شاهد ، وكما يعلم المنصفون منهم، وكما أظهرته الأفلام الوثائقية الحديثة والتي يقوم بها غير المسلمين.

ـ واعلم أنه لا يجوز الدعـاء على أحد بالموت كـافرا ، فذلك ليس من هدي الإسلام، ولا حال النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان حريصا على هداية الكافرين لدرجة أن الله تعالى لامه على هذا الحرص كثيرا في القرآن الكريم  رفقا به، رغم ما كان يعانيه منه .

ـ وأهل الأديـان الوضعيـة كلهم كفرة،  ولا يعاملون معـاملة أهل الكتـاب من ناحية الذبـائح والزواج ولا غير ذلك ، ولا يستثنى منهم إلا المجوس في غير الزواج والذبائح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عنهم قال : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم) حديث صحيح .

ـ وأما الآثار فيوجد منها الكثير وكل يوم يكتشفون أكثر، وأما إرسال الرسل فقد أرسل الله إلى كل أمة رسولا كما ذكر القرآن وقرر، ولكن الله لم يذكر لنا جميع الرسل وأخبرنا بذلك مرارا، أن هناك الكثيرين لم يخبرنا بهم، ولا يلزم وجود أثر لكل رسول، فقد كان كل رسول له وقته ومكانه تنتهي رسالته بموته أو استشهاده.

وكون أكثر المذكورين من أنبياء بني إسرائيل له حكمة، ولعلها أنهم أكثر الناس إعناتا وعدم انتفاع بالأنبياء رغم كثرة أنبيائهم، ولعلها أنهم كانوا هم الأقرب زمنا، لم يأتي بعدهم إلا  الرسول العربي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أرسل إلى جميع العالم إلى نهاية الزمان.

فإرسال الرسل إليهم تترا لأنهم كانوا أكثر الأمم وأطولها حياة، فهم في حكم أمم متعددة لا بد أن يبعث الله إلى كل أمة منها رسولا كما شاءت حكمته تعالى.

نعم قد زادت عناية الله تعالى بهم ولكن ليس لأنهم مختارون، إنهم مع هذه العناية لم يشكروا الله وفعلوا ما لم يفعله غيرهم رغم إمهالهم وإتاحة كثير من الفرص لهم، وقد رد الله عليهم ادعاءهم أنه أبناء الله وأحباؤه بقوله : ( قل : فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ).

وبوذا لم يرد ولم يثبت أنه نبي ، ولو كان نبيا فمنهج عباده لا يرضاه الله ولا يقره شرع أبدا. فهم كفرة يعبدونه من دون الله. بخلاف عيسى عليه السلام حيث ذكر الله لنا عنه الكثير، وكان أقرب عهدا بنبينا صلى الله عليه وسلم .

والله أعلم.