السؤال:

ما حكم الختان في حق الرجال،  و في حق للنساء؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالراجح أن الختان واجب في حق الرجال، وهو مكرمة للنساء، فمن أراد الأخذ به أخذ، ومن أراد تركه ترك، وقد اختلف فيه الفقهاء بين الوجوب والندب، كما اختلف فيه الأطباء فيما بينهم، غير أنه ليس من الصواب أن يسن قانون بمنعه أو بوجوبه، فليترك الأمر للاختيار، و إن تم اختيار فعله، يشترط أن يقوم به الأطباء المتخصصون، ولا يترك لعوام الناس يفعلونه، لما في ذلك من ضرر، ويحرم على من لا معرفة له به الإقدام عليه، سواء أكان للرجال والنساء. وكون الطبيب المتخصص يخطئ أو يهمل فيترتب على إهماله ضرر بالبنت المختونة، فهذا أمر خاص بالحالة نفسها وليس عاما ولا ينبغي أن يتكرر، كما انه لا يلزم أن يتكرر مع البنت الأخرى.

وإليك فتاوى الفقهاء في هذا:
يقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي:
هذا الموضوع اختلف فيه العلماء والأطباء أنفسهم، وقامت معركة جدلية حوله في مصر منذ سنوات، من الأطباء من يؤيد، ومنهم من يعارض، ومن العلماء من يؤيد ومنهم من يعارض، ولعل أوسط الأقوال وأعدلها وأرجحها، وأقربها إلى الواقع، وإلى العدل في هذه الناحية، هو الختان الخفيف، كما جاء في بعض الأحاديث – وإن لم تبلغ درجة الصحة – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة كانت تقوم بهذه المهمة، قال لها: ” أشمي ولا تنهكي. فإنه أنضر للوجه، وأحظى عند الزوج” “والإشمام” هو التقليل، ولا تنهكي أي لا تستأصلي، فهذا يجعل المرأة أحظى عند زوجها، وأنضر لوجهها فلعل هذا يكون أوفق.

والبلاد الإسلامية تختلف بعضها عن بعض في هذا الأمر، فمنها من يختن ومنها من لا يختن. وعلى كل حال، من رأى أن ذلك أحفظ لبناته فليفعل، وأنا أؤيد هذا، وخاصة في عصرنا الحاضر، ومن تركه فلا جناح عليه، لأنه ليس أكثر من مكرمة للنساء، كما قال العلماء، وكما جاء في بعض الآثار.
أما الختان للذكور فهو من شعائر الإسلام، حتى قرر العلماء أن الإمام لو رأى أهل بلد تركوه لوجب عليه أن يقاتلهم حتى يعودوا إلى هذه السنة المميزة لأمة الإسلام. انتهى.

ويقول فضيلة الشيخ عطية صقر – رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر:
الخِتان مطلوب في الإسلام، بدليل حديث مسلم “خمسٌ من الفطرة: الختان، والاستحْداد، وتقليم الأظافر، ونتْف الإبِط، وقصِّ الشَّارب”. والفطرة هي: الحنيفية ملة إبراهيم ـ عليه السلام ـ والاستحْداد هو حلق العانة. ولكن ما هي درجة الطلب، هل هي الوجوب أو الندب؟ ملخص أقوال الفقهاء في ذلك ثلاثة:

الأول: أن الختان سنَّة في حق الرجال والنساء وذهب إليه مالك في رواية عنه، وأبو حنيفة، ورُوِيَ عنه قوله: واجب وليس بفرض، كما روى عن مالك أنه فرض، وقال به بعض أصحاب الشافعي.

الثاني: أنه واجب في حق الرجال والنساء جميعًا، وهو مذهب الشافعي وكثير من العلماء، كما أنه مُقتضى قول سُحْنون من المالكية. وهو رواية عن الإمام أحمد.

الثالث: أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وهو مذهب أحمد، وقيل هو بالنسبة للنساء مَكْرُمة كما عبَّر عنه في حديث ضعيف وأدلة كل قول بسطتها في الجزء الرابع عن رعاية الأولاد ضمن موسوعة “الأسرة تحت رعاية الإسلام” مُستقَاة من نيل الأوطار للشوكاني، والمغني لابن قدامة، والزُّرقاني على المواهب اللدنية. وغيرها من المراجع.
وبعد استعراض الأدلة ومناقشتها تبين أنه ليس هناك دليل صحيح سليم من النقد على وجوب الختان للنساء.

ويقول الشيخ محمود شلتوت في كتابه “الفتاوى ص304” :إن ختان الأنثى لا فائدة فيه من جهة التخلُّص من الإفرازات كالتي عند الرجل، ولكن قال بعض الأطباء إنَّ ترك “البظر” يُشعل عندها الغريزة الجنسية، وقد تندفع به إلى ما لا ينبغي، ورأى بعضهم أن الختان يُضْعفها جنسيًّا فيحتاج الرَّجل إلى الاستعانة بالمواد المحرَّمة ليستكمل متعته مع المرأة. أهـ.
وأرى أن الختان الذي اعتاده العرب وأقرَّه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنسبة للمرأة لا بأس به، وكانت هناك وصيَّة بعدم المُبالغة فيه، ونُسبت بطرق ضعيفة إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كقوله لخاتنة النساء: ” لا تُنهكي فإن ذلك أحْظى للمرأة وأحبُّ للرجل”، وكلام الأطباء وغيرهم ليس قطعيًّا، فما زالت الكشوف العلمية مفتَّحة الأبواب تتنفس كل يوم عن جديد يُغير نظرتنا إلى القديم.

وفي تقرير أعده الأستاذ الدكتور محمد حسن الحفناوي أستاذ الأمراض الجلدية بطب الأزهر، والأستاذ الدكتور صادق محمد صادق مدرس الأمراض الجلدية بطب الأزهر ـ بعد استعراض الأحاديث النبوية ـ قالا:
إذا نظرنا نظرة علمية للحقائق وجدنا أن عملية الجماع بين الرجل والمرأة لابد أن تبدأ بالدافع الجنسي أو الرغبة “وبالأخص في المرأة” وهذه المرحلة مهمة جدًّا في تحضير الحالة النفسية للمرأة، والتي تساعدها على الأداء الإيجابي مع زوجها.

وبالعَرْض التشريحي للمرأة نجد أن “البظر” يقع في أعلى الفرج، وهو يشبه إلى حد ما العضو الذكري، ولكنه في صورة مصغرة أو منقرضة، ويوجد بالبظر نهايات عصبية تسبب انتصابه عند ملامستها. وتبلغ قوة إحساس تلك النهايات العصبية سبعة أضعاف مثيلاتها في العضو الذَّكَري، كما يوجد بالمرسل في ثلاثة أرباعه العلوية مستقبلات عصبية تسمى “لايت تاتش رسيبتورس” وهى مسئولة أيضًا عن الوصول إلى الحسِّ الجنسي الكامل.

وبالنظرة الموضوعية نجد أن الوصول إلى الحس الجنسي الكامل يتم عن طريقين: أحدهما إثارة البظر الممتلئ بالنهايات العصبية، والآخر هو المِهْبَل، حيث يمتلئ جداره بالمستقبلات العصبية أيضًا، ولذا فإن بعض علماء النفس يروْن أن البظر ليس مهمًّا في الوصول إلى الحس الجنسي الكامل، بدليل أنه يَرْتخي ويتراجع قُبيل عملية الأورجاسم.

ثانيًا: أن المرأة التي تختتن تصل أثناء الجماع إلى الحس الكامل، ومن المعروف أن الأنثى تختتن في سن التاسعة إلى الثانية أو الثالثة عشرة من عمرها، حيث تكون الأعضاء التناسلية قد اكتمل نموها ومع اكتمال نضج الفتاة تظهر المشاعر العاطفية تجاه الجنس الآخر، ويبدأ البظر في الانتصاب لمجرد اللمس أو الاحتكاك “نتيجة للحساسية الزائدة لنهايات الأعصاب المتركزة فيه” والتي تبلغ سبعة أضعاف مثيلاتها في الذَّكَر، وأيضًا عند الإثارة والتفكير والنظر بشهوة، فيؤدي إلى تحرُّك المشاعر اللاإرادية تجاه نفسها أو أشخاص أو موضوعات غير مقبولة اجتماعيًّا، ودائما تكون مصحوبة بالتأنيب والشعور بالذنب.

ورغبة في المحافظة على كرامة المرأة وكبريائها وأنوثتها وجب علينا اتباع تعاليم الإسلام، وختان الفتاة بالصورة المرجوَّة وهى الإشمام، أي إزالة جزء بسيط من البظر لكي يحد من حدة الانفعالات. “نشر بمجلة أكتوبر ـ العدد 938 في 16 / 10 /1994 م”.

وبعد، فإن الصيحات التي تنادى بحُرمة ختان البنات صيحات مخالفة للشريعة؛ لأنه لم يرد نص صريح في القرآن والسنة ولا قول للفقهاء بحرمته فختانهن دائر بين الوجوب والندب، وإذا كانت القاعدة الفقهية تقول: حكم الحاكم برفع الخلاف فإنه في هذه المسألة له أن يحكم بالوجوب أو الندب، ولا يصح أن يحكم بالحرمة، حتى لا يخالف الشريعة التي هى المصدر الرئيسي للتشريع في البلاد التي ينص دستورها على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.

ومن الجائز أن يشرِّع تحفُّظاتٍ لحسن أداء الواجب والمندوب بحيث لا تتعارض مع المقرَّرات الدينية. أ.هـ.

 

والله أعلم.