السؤال:

كثر الكلام حول إعادة غشاء البكارة مرة أخرى ونريد أن نعرف حكمه بالنسبة للفتاة وللمتزوجة، أو لمن سبق لها الزواج؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فقد اتفق الفقهاء على حرمة رتق غشاء البكارة للزوجة أو من سبق لها الزواج وذلك لكشف العورة رغم انتفاء الضرورة، كما اتفقوا على حرمة الرتق في حالة من أقدمت على الفاحشة وافتضح أمرها لكون فعلها من باب التدليس ونفي التهمة..واختلفوا في المغتصبات والمغررات والراجح جواز الرتق لهن لانتفاء التهمة وللستر عليهن، كما اختلفوا فيمن فعلن الفاحشة بإرادتهن ولم يشع أمرهن والراجح عندي عدم رتق الغشاء لهن لما في ذلك من التدليس ونفي التهمة عنهن .

يقول الدكتور محمد عبد اللطيف البنا مدير تحرير النطاق الشرعي بموقع إسلام أون لاين:

معلوم أن الطب الحديث استطاع أن يقوم بإعادة الوضع كما كان، وهو وإن كان تقدما طبيا فإنه أثار عددا من المشكلات الفقهية التي يجب أن نضع النقاط عليها لبيان الحالات المختلفة وحكم كل حالة، وقبل أن أبين الحكم يجب أولا أن أبين رأي الفقهاء والعلماء حتى يتبين لنا موقع الموضوع في الفقه الإسلامي المعاصر.

فقد اختلف الفقهاء والعلماء حول هذه المسألة على تفصيل خاص :

1. رأي يقول بمنع الرتق مطلقا .

2. ورأي يقول بإجازة ذلك على التفصيل التالي :

أ- من فقدت غشاءها بدون رغبة وإرادة منها كالمكرهة أو النائمة أو الصغيرة أو الجاهلة فجائز.

ب- من فقدت غشاءها بإرادة منها وفيه تفصيل:

1 -من قد افتضح أمرها، وغلب فيه عدم الرتق .

2 -من لم يفتضح أمرها، وغلب فيه الرتق .

جـ-من كانت متزوجة أو سبق لها الزواج : وليس لها الرتق .

وبالنظر في أدلة كلا الطرفين يمكن التوصل إلى ما يلي :

اتفاق الجميع على حرمة رتق غشاء البكارة في الحالات التالية:

حالة الزوجة أو من سبق لها الزواج، وحالة من أقدمن على الفاحشة وافتضح أمرهن بين الناس، وذلك –في حالة الزوجة- لكشف العورة المغلظة أمام طبيب أو طبيبة وهو ممنوع شرعا إذ لا توجد ضرورة طبيبة معتبرة، وفي حالة المطلقة تنتفي الضرورة لأنها لم ترتكب فاحشة، وفي حالة من افتضح أمرهن يكون فعلهن من باب التدليس ونفي التهمة.

واختلفوا في المغتصبات والمكرهات والمغررات والجاهلات ومن لم يفتضح أمرهن.

وأتفق مع الجميع فيما ذهبوا إليه من منعه لمن سبق لها الزواج أو المتزوجة وكذلك لمن افتضح أمرهن، أما المكرهات -ويدخل تحته المغتصبات-، والأسيرات، والصغيرات والمغفلات، وكذلك الجاهلات أو من تعرضن لحادث -فأرجح مع من رجح- جواز الرتق لهن وذلك لما يلي:

1 –  أن العبرة في التفريق بين البكر والثيب هو الدخول الحقيقي والناتج عن رغبة منهن وهؤلاء لم يحدث لهن دخول حقيقي، بل حدث الفض رغما عنهن .

2 –  أن العبرة في مؤاخذة الفرد – في هذه الحالات وغيرها – تكمن في الإرادة، فقد أسقط عمر بن الخطاب  الله عنه عن المكرهات، وعن المضطرات وعمن جهلن الحكم– كمن كانت تستهل به، إذ لم يكن لهن إرادة في الفعل، وقد قبل الله تعالى إيمان من أكره على الكفر ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان، وهذا أقل بكثير من دائرة الكفر فيقبل من باب أولى” فلو وطئت امرأة حال كونها مكرهة على وطئها بخوف مؤلم من قتل أو ضرب فلا تحد، ويحد الزاني بها إن كان طائعا وإلا ففي حده خلاف”([1]).

3 –  كما أن المكره ليس عليه حد فكذلك يرتفع عنهن وصف الزنى، ” فإن زنى بالغ بصبية، أو عاقل بمجنونة، أو مستيقظ بنائمة ؛ فإن ذلك من جهة الرجل زنى؛ فهذا زان نكح غير زانية “([2]).

4 –  أن مثل هؤلاء وشأنهن هو شأن التائبات – مع الفارق إذ لم يرتكبن ما يؤاخذن عليه – وقد قبل الله توبة الجميع ما لم يشركوا بالله تعالى فقال سبحانه : ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا( ([3])، فإذا كان الله تعالى قد قبل توبة من يرتكب الفاحشة بكامل إرادته، أفلا نساعد من تريد ستر نفسها؟.

5 –  أن غشاء البكارة دليل على العذرية ولم يترتب عليه آثار شرعية، حتى الفسخ أو التفريق أو الطلاق – بإرادة الزوج – وفي هذه الحالات تعتبر الفتاة عذراء تستأمر عند الزواج، جاء في الفتاوى الهندية :” وإن زالت بكارتها بوثبة أو حيضة، أو جراحة أو تعنيس فهي في حكم الأبكار”([4]).

6 –  أن في رتق غشائهن سترا عليهن ويحقق الستر في هذه الحالة عدة أمور:

أ –  استعادة الفتاة ثقتها بنفسها فلا تنجرف في المجتمع بالخطأ، واستشعارها بوقوف المجتمع معها وستره عليها.

ب – عدم طمع الطامعين وذوي الرذيلة فيها.

جـ- أمن المجتمع والحد من انتشار الفاحشة وعدم شيوعها أصلا.

أما من أشيع أمرهن بين الناس أو فعلن ذلك بإرادتهن ولو لم يشع الأمر – خلافا لمن قال بغير ذلك- فأرجح عدم رتق الغشاء لهن وذلك لما يلي :

1 –  أن المصالح المرجوة من رتق الغشاء غير متحققة فلا أمن للمجتمع ولا ستر عليها إذ افتضح أمرها.

2 –  أن الحد واجب عليهن-إذا اكتملت شروطه-، ويشترط في الحد أن يشهده طائفة من المؤمنين، وفيه ردع لمن خلفهن، وفي التستر رغم ثبوت الحد تضييع له، بالرغم من أمر الشرع بإقامته.

3 –  في حالة وجود الغشاء تبرئة لها من الاتهام بالزنى – إلاّ في حالات خاصة كمن كانت طبيعة غشائها مما لا يفض وشهد الطب الشرعي بآثار الزنى – وفي هذا تضييع للحقوق، وأهمها حقوق التقاضي، وقد نهانا الإسلام عن ذلك .

4 –  أنها فعلت ذلك غير مكرهة – بل بإرادة تامة لها، مما يستوجب الحد والمؤاخذة .

5 –  أن رتق الغشاء فيه تدليس وغش لتعمدها الفعل من ناحية، وتعمدها إخفاء أثره، والكذب على من يتزوجها، ونهت الشريعة عن الغش .

6 –  من لم يشع أمرها وفعلت ذلك بإرادتها لا يرتق لها الغشاء أيضا وذلك لإرادتها الفعل فتتحمل نتيجة ما أرادت، كما أن في الرتق تدليسا وغشا، إذ تنتفي عنها صفة البكر، كما أن في الرتق تشجيعا لها، وكشفا للعورة أمام من لا يحق له وفي هذا الأمر حرمة شديدة تم بيانها، ولم تقتض الضرورة ذلك .

وهذا لا يعني عدم إقامة الحد على من ثبت عليها الحد ويصل للإمام، بل لا بد من إقامة شرع الله تعالى وتطبيق حدوده.

والله أعلم.


([1]) انظر منح الجليل شرح مختصر خليل ج 9 ص 245: 255.

([2]) الجامع لأحكام القرآن ج 12 ص 170.

([3]) النساء 116.

([4]) الفتاوى الهندية ج 1 ص 290.