السؤال:

عندما تعلَّم زيد بن ثابت –رضي الله عنه- لغة اليهود، هل اطَّلع على كتبهم المقدَّسة؟ فهناك مزاعم أن القرآن مقتبس من مثل هذه المصادر، أرجو التوضيح.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فهذه الافتراءات ضد القرآن باطلة بلا شك ، فكيف تكون كتب اليهود مصادر للقرآن والنبي لم يلق أحدا منهم في مكة فضلا عن كونه أميا ، كما أن القرآن معجز بلفظه أما كتب اليهود فليست كذلك ، ويستحيل أن يكون القرآن مقتبساً من كتب اليهود وهو حافلٌ ببيان عيوبهم والتشنيع عليهم، ولو أخذ القرآن حرفاً واحداً منهم لكانوا مبادرين إلى القدح فيه ، كما أن كتب اليهود حافلة بتنقص الذات الإلهية وأنبياء الله على عكس القرآن الكريم-ونعوذ بالله من ذلك- فكيف يقول منصف بعد ذلك أن كتب اليهود كانت مصدراً من مصادر القرآن؟!

يقول د.محمد بن سريّع عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية :
إنه لمن العجيب أن تروج مثل هذه الأباطيل التي لا تقوم على أساس من الحقيقة أو المستند العلمي، ولكن لا غرو إذا عُلم أن مثل هذه الأقوال إنما صدرت من المستشرقين واليهود، ثم تلقاها عنهم كثير ممن يزعم البحث العلمي الحر، ونقلها دون أن ينظر إلى الأصول والدلائل التي تعتمد عليها هذه الأقوال، وما كان لمثل هذه الأقوال أن تُصدق لولا أن أصحابها أدمنوا ذكرها، ونشروها بكل وسيلة وسبيل، حتى ظن من لا علم له أن لها رصيداً من النظر.

وكيف يكون القرآن متلقى عن بعض المصادر اليهودية، وقد مكث النبي –صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عامًا بمكة يُوحى إليه ويتنزل عليه القرآن، وهو لم يجتمع بأحد من اليهود طوال هذه الفترة؟! أم كيف تكون كتب اليهود –مصادر هذا القرآن والنبي -صلى الله عليه وسلم- أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب؟

ثم إنه من المعلوم عند كل شخص –حتى عند المشركين من العرب- أن هذا القرآن معجز في ألفاظه ومبانيه، فلو فرض أنه أخذ عن كتب اليهود، فهل أخذ بنفس النص الموجود عندهم؛ هذا لا يقول به أحد؛ لأننا لا نجد نفس النص بألفاظ في مصادرهم، وإذا كان المقصود أنه عندهم بمعناه فإن اللفظ جانب آخر من جوانب الإعجاز بالقرآن لم يكن لبشر أن يأتي به، محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره.

ثم كيف يكون القرآن الكريم مقتبساً من كتب اليهود وهو حافلٌ ببيان عيوبهم، والتشنيع عليهم، وردِّ افتراءاتهم، وبيان مواقفهم المخزية من كتب الله ورسالاته، بل ومن الذات الإلهية، لقد جاء القرآن الكريم ليبين إلحاد اليهود في عقائدهم في إيمانهم بالله وكتبه ورسله، يقول تعالى: “لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ” [آل عمران:181]. ويقول تعالى: “كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ” [المائدة:70]. ويقول تعالى: “وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ” [آل عمران:78]. ويقول تعالى: “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ” [المائدة:78] ، فهل يسوغ أن يقال بعد هذا كله إن القرآن الكريم مقتبس من مصادر يهودية.

لقد كان اليهود أحرص ما يكونون على التشكيك في دعوة النبي –صلى الله عليه وسلم- والوقوف في طريقها بكل سبيل. ولو كان -صلى الله عليه وسلم- أخذ حرفاً واحداً منهم لكانوا مبادرين إلى القدح فيه، وبيان أنه معتمد على كتبهم، ولكن هيهات لقد عجزوا مع عظيم تشوفهم لذلك.

إن الكتب اليهودية –كما يدرك ذلك كل منصف- لا يمكن أن تكون مصدراً للقرآن؛ لأن القرآن جاء بالحنيفية السمحة وتوحيد الباري جلَّ وعلا، وإثبات صفات الكمال له تعالى، كما جاء بتعظيم قدر الأنبياء ورفعة شأنهم من غير أن يصرف لهم شيئاً من حقوق الإلهية، بينما كتب اليهود حافلة بتنقص الذات الإلهية، ووصفها بصفات النقص والجهل والعجز والبخل والتعب، أما أنبياء الله فقد وصفتهم تلك الكتب بكل نقيصة وسوءة.

ففيها أن نوحاً –عليه السلام- كان سكيرًا بشرب الخمر، وأن لوطاً قد سقته ابنتاه الخمر، وضاجعتاه وهو لا يدري فحملتا منه سفاحا! وأن إبراهيم –عليه السلام- كان مادياً يتاجر بزوجته الجميلة عند الملوك ليأكل بها، وأن داود عليه السلام قد زنا بزوجة أوريا، فحملت منه سفاحاً بسليمان عليه السلام… وهكذا في صور لا تنتهي من اللؤم والفجور والكفر الصراح.

أين هذا من ثناء الله تعالى على أنبيائه في القرآن الكريم في مثل قوله “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا” [الإسراء:3]. وقوله: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” [النحل:120-123] ، وقوله: “وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ” [الأنبياء:74-75]. وقوله: “وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ” [النمل:15]. وقوله: “سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ” [الصافات:79]. “سلام على إبراهيم” [الصافات:109] “سلام على موسى وهارون” [الصافات:120]. “سلام على آل ياسين” [الصافات:130]…الخ في آيات يصعب حصرها.

فكيف يقول منصف بعد ذلك أن كتب اليهود كانت مصدراً من مصادر القرآن؟! سبحانك هذا بهتان عظيم “بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ” [العنكبوت:49] .
والله أعلم.