السؤال:

سمعت من بعض الخطباء في إحدى الجمع حديثًا استوقفني كثيرًا، ونصه كما ذكره الخطيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: "أكثر أهل الجنة البُلْه" أي الموصوفون بالغباء والبلاهة، لا بالذكاء والنباهة، وقد سألت بعض الأصدقاء ممن أعتبرهم أعلم مني بأمور الدين، فأكد لي أنه قرأه كذلك في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي. فهل هذا الحديث ثابت حقًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ وكيف يتفق هذا مع ما دعا إليه الإسلام من التنويه بالعقل والعلم، حتى كانت أول آية من كتابه أنزلت على رسوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) (العلق: 1) بينوا لنا الحق في ذلك بارك اللّه فيكم ومد في عمركم في خدمة الإسلام.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

فالإسلام دين يدعو إلى التفكر وإعمال العقول بل جعل ذلك عبادة وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه والشواهد على ذلك كثيرة في كتاب الله، والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله، أما الحديث الذي ورد في السؤال فهو محكوم عليه بالضعف ولا يجوز الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة في أمور العقيدة فضلا عن أن هذا الحديث يعارض النصوص القطعية التي تثبت أن الأغبياء هم أهل النار.

وإليك فتوى فضيلة الدكتور القرضاوي:
آفة كثير من الخطباء في مساجدنا أنهم “حاطبو ليل” فهم يأخذون الأحاديث من أي كتاب وجدوه، أو من أي مقال قرأوه، أو من أي متحدث سمعوه، دون أن يكلفوا أنفسهم معرفة مصدر الحديث، ومن أخرجه من أصحاب الكتب المعتمدة؟ ومن رواه من الصحابة؟ وما قيمته من حيث الصحة والضعف، والقبول والرد؟ وهل يصلح الاستشهاد به في هذا الموضع أو لا يصلح؟ وهل يليق ذكره لكل الناس بكل مستوياتهم أو هو لا يليق إلا بالخاصة؟
إن كثيرًا من الخطباء، بل أكثرهم يعتمدون على كتب الوعظ والتصوف، وهي تجمع الغث والسمين ولا تمحص ما تنقله، وكذلك معظم كتب التفسير.

وكثيرًا ما حضرت خطبًا للجمعة في بعض المساجد في بلاد شتى، فأصدم بعدد من الأحاديث تنسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي مردودة سندًا، مرفوضة متنًا ومعنى.
وقد ذكر العلامة ابن حجر الهيثمي الشافعي -رحمه اللّه- في “فتاواه الحديثية ” وجوب الإنكار على الخطباء الذين يذكرون الأحاديث دون إضافتها إلى مخرجيها، بل الحيلولة بينهم وبين المنابر، حتى لا يفسدوا على الناس دينهم.
على أن نسبة الحديث إلى كتاب من كتب الحديث فيما عدا الصحيحين لا يعني أن الحديث صحيح أو حسن، ما لم ينص على ذلك إمام معتبر من فرسان الحديث ونقاده، وإلا فقد يوجد فيها الضعيف، والضعيف جدًا، والموضوع، وقد نبهت على ذلك في أكثر من كتاب، وخصوصًا كتابي “ثقافة الداعية” و”كيف نتعامل مع السنة النبوية” ومقدمة “المنتقى من الترغيب والترهيب”
وتساهل بعض العلماء في رواية الحديث الضعيف في الترغيب والترهيب والرقائق وفضائل الأعمال، ليس على إطلاقه، فهو مشروط بشروط ذكرها المحققون من العلماء، وهي:

1ـ ألا يكون الحديث ضعيفًا جدًا
2ـ وأن يكون مندرجًا تحت أصل كلي من أصول الشرع.

3ـ وألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.

4 ـ وألا يقول فيه: قال رسول اللّه بصيغة الجزم بل يذكر صيغة تدل على التضعيف، مثل روي، وحكي ونحوها.

مدى صحة الحديث
أما الحديث المذكور “أكثر أهل الجنة البُلْه” فقد ذكره الإمام الغزالي في “الإحياء” مستشهدًا به في أكثر من موضع، والغزالي وإن كان بحرًا زاخرًا، وإمامًا يشار إليه بالبنان في العلوم، مثل فقه الشافعي، وأصول الفقه والفلسفة، وعلم الكلام والتصوف. ولكنه كما قال عن نفسه -رضي اللّه عنه- منصفًا: إن بضاعته مزجاة في علوم الحديث، وكان هو طابع المدرسة الفكرية التي نشأ فيها، ولذا تضمن كتابه بل موسوعته “إحياء علوم الدين” كثيرًا من الأحاديث الواهية والمنكرة، بل الموضوعة، والتي لا أصل لها.

وقد قال الحافظ زين الدين العراقي الذي خدم ” الإحياء ” بتخريج أحاديثه، قال في تخريج حديث ” أكثر أهل الجنة البله” إنه ضعيف.

القرآن يشيد بالعقل والعقلاء
ومن حق الأخ السائل أن يتوقف في قبول هذا الحديث من ناحية معناه، فهو يتعارض مع ما دعا إليه الإسلام في كتابه وسننه، من التنويه بالعقل والذكاء والفكر والعلم، والإشادة بأولي الألباب وأولي النهى، والذين يعقلون ويعلمون ويتفكرون،
وقد تكرر ذكر “أولي الألباب” في القرآن ست عشرة مرة.
إن القرآن الكريم وصف أهل الجنة في أكثر من موضع بأنهم من “أولي الألباب” أي أصحاب العقول والذكاء، كما قال تعالى: (إن في خَلْق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون اللّه قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فَقنا عذاب النار. . . ) إلى أن قال في شأن هؤلاء: (لأكَفِّـرَنّ عنهم سيئاتهم ولأُدْخِلَنَّهُم جَنّات تَجْرِي من تحتها الأنهار. . . ) (آل عمران: 190 – 195).

وفي سورة أخرى: (أفَمَنْ يعلم أنما أُنْزل إليك من ربك الحق كَمَنْ هو أعمى إنما يَتَذَكَّرُ أولو الألباب. الذين يُوفُون بِعَهْدِ اللّه ولا يَنقُـضُــون الميثاق)
وبعد سرد جملة أوصاف وفضائل لهؤلاء الناس ” أولو الألباب ” يقول في جزائهم: (أولئك لهم عُقْبَى الدار. جنات عَدْن يدخلونها ومن صَلَح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. . . . ) (الرعد: 19 – 23).

وفي سورة أخرى ذكر القرآن الخاسرين يوم القيامة من أهل الكفر وما فوقهم وما تحتهم من ظلل من النار، ثم ذكر في مقابلهم أهل الجنة، فقال: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البُشْرى فَبَشِّرْ عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنهُ أولئك الذين هداهمُ الله وأولئك هم أولو الألباب) (الزمر: 17، 18).

وإذا كان أهل الجنة عمومًا هم (أولي الألباب) فإن أهل النار، كما صورهم القرآن هم أهل الغباء والجهل والغفلة، وليس كما يوحي به مفهوم ذلك الحديث. فما دام أكثر أهل الجنة البلهاء، فإن أكثر أهل النار العقلاء والأذكياء!
الحق أن القرآن يكشف لنا عن الجانب العقلي لأهل النار، بأنهم أغبياء عطلوا الأجهزة التي منحهم الله إياها من الأفئدة والأسماع والأبصار، ولهذا انحطوا إلى درك صاروا به أضل سبيلاً من البهائم العجماوات.

يقول تعالى: (ولقد ذَرَأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوبُ لا يفقهونَ بها ولهم أعينٌ لا يبصرون بها ولهم آذانٌ لا يسمعونَ بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) (الأعراف: 179).

ويحدثنا القرآن عن أصحاب جهنم حين يلقون فيها، فيسمع لها شهيق وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ على من يدخلها من الملاحدة والمشركين والضالين، يقول القرآن حاكيًا عن أهل النار (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. فاعترفوا بذنبهم فسحقًا لأصحاب السعير) (الملك: 10، 11).

إن أغبى الناس وأجهلهم حقًا هم من انتهى بهم غباؤهم إلى النار وبئس المصير، وأي صفقة أخسر من دخول النار؟!
وإن أذكى الناس وأعلمهم وأعقلهم حقًا هم الذين انتهى بهم ذكاؤهم إلى الجنة، وأي صفقة أربح من دخول الجنة؟! .
على أن الحديث مع ضعفه تعارضه أيضًا أحاديث أخرى، مثل: “المؤمن كيس فطن”
رواه الديلمي والقضاعي عن أنس مرفوعًا وهو ضعيف (انظر: كشف الخفاء للعجلوني، حديث (2683).

والعجيب أن كلا الحديثين المتعارضين مروي عن أنس رضي الله عنه!
والدليل على فطنة المؤمن وحذره الحديث الصحيح المتفق عليه: ” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ” (رواه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع الصغير (7779).

معنى البلاهة المذكورة في الحديث
بقي أن أذكر أن الغزالي ومن تبعه حين يذكرون هذا الحديث يؤولونه بأن المراد بهؤلاء ” البله ” الذين لا يعنيهم أمر الدنيا، ولا يجعلونها أكبر همهم ولا مبلغ علمهم، فهم في أمر الدنيا بلهاء، وفي أمر الآخرة أذكياء، وقد قال بعض السلف: أدركنا أناسًا لو رأيتموهم لقلتم: مجانين! ولو رأوكم لقالوا: شياطين! بخلاف أكثر الخلف الذين كانوا في أمر الآخرة أغبياء بل بلهاء، وفي أمر الدنيا في غاية النباهة والذكاء! وفي مثلهم يقول الشاعر:
أبُنـيّ، إن مـن الرجــال بهيمــــة
في صورة الرجـل السـميع المبصر
فطن لكــل مصــيبة في مالـــه
وإذا أصيـب بدينــه لــم يشعــــر
وقد وصف الله بعض الناس بقوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) (الروم: 6، 7).

فاعتَبَر علمهم بظاهر الحياة الدنيا دون النفاذ إلى باطنها وأعماقها، كَلاَ علم، فهو علم أشبه بالجهل.
وقد قال العلامة المناوي في شرح الحديث: (البُلْه الذين خلوا من الدهاء والمكر وغلبت عليهم سلامة الصدر، وهم عقلاء، أو البليد في أمور الدنيا دون الآخرة) (التيسير في شرح الجامع الصغير للمناوي 1/ 199).

ولكن هذا التأويل إنما يقبل لو صح الحديث، أما وهو غير صحيح ولا حسن، فلا معنى لتأويله.
وقد ضلل لفظه كثيرًا من عامة المسلمين، فأصبحوا يعتقدون في أن كثيرًا من البلهاء والمجاذيب وأشباه المجانين العاطلين، حول الأضرحة والمزارات أولياء لله! وغدوا ينسجون حولهم أساطير وحكايات، ويضيفـون إليهم خـوارق وكرامـات، جلها -إن لم يكن كلها- من نسج الخيال، أو افتراء الدجالين.

على أن البلاهة في أمر الدنيا التي ذكرها الإمام الغزالي وغيره، مرفوضة في نظرة المنهج الإسلامي، الذي يقوم على التوازن بين الدنيا والدين، والمزج بين الروح والمادة، والتوافق بين العقل والقلب، وهذه هي الوسطية التي جاء بها الإسلام الصحيح، وهذا ما كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان في خير القرون، فقد كانوا أهل دين لا ينعزل عن الدنيا، وأهل دنيا لا تنفصل عن الدين.
والله أعلم