السؤال:

ما المراد بالماء المستعمل ؟ وهل يجوز التطهر به؟ أم أنه يعتبر نجسا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :-

رجحت طائفة من الفقهاء عدم جواز استعمال الماء الذي سبق استعماله في الوضوء أو الغسل في طهارة أخرى  بينما رجحت طائفة أخرى جواز ذلك ، وذلك لما ورد من نصوص شرعية . وللمسلم في مثل هذه الحالات أن يتبع أيا من الرأيين من غير حرج ، ويحسن به في الرخاء وتوافر الماء غير المستعمل أن يخرج من الخلاف ولا يستعمل ماء مستعملا في الطهارة .

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :

من الفقهاء من ذهبوا إلى أن هناك نوعا من الماء طاهرا غير مطهر. وهو الذي سموه (الماء المستعمل) ويعنون به الذي استعمله إنسان في الوضوء أو الاغتسال منه، وكان قليلا. فلا يجوز لأحد أن يتوضأ أو يغتسل منه بعد.

ولكن لا دليل على هذا القول، بل الدليل ضده، فقد روى ابن عباس: أن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، اغتسلت من جنابة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من فضلها، فقالت له: إني اغتسلت منه، أو: إني قد توضأت من هذا!! فقال: إن الماء لا ينجسه شيء “رواه أحمد والنسائي وابن ماجه .. والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

وفي رواية: ” إن الماء لا يجْنُب “.

وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة “. رواه البخاري في الغسل

وعن ابن عمر: أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون؛ الرجال والنساء من إناء واحد.

رواه أحمد وأبو داود  وابن الجارود  وابن خزيمة.

وبهذا يتبين لنا: أن الماء المستعمل في الوضوء أو الغسل طاهر مطهر. ولكن يبقى البحث في مدى نظافته وصلاحيته للاستعمال في الوضوء ونحوه، ومدى سلامته من قابلية نشر الأمراض المعدية، فقد رأيت ماء (الميضاء) قديما يتوضأ فيه، ويتمضمضون ويستنشقون ويغسلون أرجلهم فيه، ثم يأتي من بعدهم فيضعون هذا الماء على وجوههم، ويتمضمضون ويستنشقون منه، وهذا غير مقبول من الناحية الصحية.أ . هـ

ويقول الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق ـ رحمه الله ـ :

روى أحمد وأصحاب السُّنن الأربعة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفَضْلِ طهُور المرأة . وروى مسلم وأحمد أنه كان يغتِسل بفضْل مَيْمُونة ، وفي رواية لأحمد وابن ماجه : أنه توضأ بفضل غُسْلِها من الجنابة . وروى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي – وقال : حديث حسن صحيح – : ” أنَّ بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغْتَسَلت في جَفْنَة (إناء كبير) فجاء النبي e ليتوضأ منها ، فقالت له : يا رسول الله إني كنت جُنبًا فقال : ” إن الماء لا يجنب ” .

وفي هذه الأحاديث تضارب في الظاهر بعضها ينهى عن التطهُّر بفضل طهور المرأة وبعضها يُجيزه . وبعيدًا عن الترجيح بين الروايات من جِهة السَّند أقول : إن التطهُّر بفضْل الماء الذي تطهَّر به الغيْر يُطلق على معنيين :

الأول : التطهُّر بالماء الذي استُعْمِل قبل ذلك في التطهُّر .

الثاني : التطهُّر بالماء الباقي من كمية الماء الذي سبق التطهُّر ببعضه ، ويصور بأن كمية من الماء في جَفْنَة أو إناء مثلاً أخذَ واحد منها بعضًا وتطهر به وبقي في الإناء بعض آخر دون استعمالٍ له .

أما بالنسبة للإطلاق الأول : فالماء الذي استُعْمِلَ من قبل في الطهارة لا يجوز التطهُّر به في إزالة نجاسة أو وضوء أو غُسل ، وهو ما عليه جمهور الفقهاء ، وإن كان هو طاهرًا في نفسه لا يتنجس ما يصيبه ، وأجاز مالك في رواية عنه جواز استعماله مرة أخرى في الطهارة.

وبالنسبة للإطلاق الثاني : يجوز التطهُّر بالماء الباقي في الإناء بعد أن أخذ منه شخص بعضه وتطهَّر به ؛ لأن الماء الباقي لا يجنب ، كما صرَّح به الحديث الأخير أي لا يصير جُنُبًا .

وبهذا التوضيح يُمْكِن الجمع بين الأحاديث الناهية عن التطهُّر بفضل الماء والأحاديث المُجِيزة له .

وهذا ما قام به الخطابي وذكره الشوكاني في ( نيل الأوطار : ج 1 ص 37 ) ونص عبارته : ” وقد جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النَّهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مُستعملاً ، والجواز على ما بقي من الماء ” .

وينبغي ألا تُحْمَل أحاديث النَّهي على احتقار المرأة ، التي تطهَّرت بماء فلا يجوز التطهُّر بفضله ، فذلك شامل للرجال والنساء، غاية الأمر أن الحادثة التي وردت فيها الأحاديث كانت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجاته .

وخلاصة الحُكم أن الماء الذي استعمل مرة في الطهارة برفع الحَدث الأصغر بالوضوء أو الحدث الأكبر بالغُسل لا يجوز استعماله مرة أخرى في الطهارة ، وهو ما عليه جمهور الفقهاء ، وأجازه مالك في رواية ، أما الماء الباقي بعد التطهُّر فيجوز التطهُّر به مرة أخرى ما دام باقيًا على طهوريته .

ويقول الشيخ سيد سابق توضيحا للرأي القائل بجواز استعمال الماء المستعمل  :

الماء المستعمل : هو المنفصل من أعضاء المتوضئ والمغتسل ، وحكمه أنه طهور كالماء المطلق ، سواء بسواء ، اعتبارا بالأصل ، حيث كان طهورا ، ولم يوجد دليل يخرجه عن طهوريته ، ولحديث الربيع بين معوذ في وصف وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم قالت : ” ومسح رأسه بماء بقي من وضوء في يديه ” رواه أحمد وأبو داود، ولفظ أبي داود : ” أن رسول الله e مسح رأسه من فضل ماء كان بيده ” .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب ، فانخنس منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال : ” أين كنت يا أبا هريرة ؟ ” فقال : كنت جنبا ، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة ، فقال : ” سبحان الله .. إن المؤمن لا ينجس ” رواه الجماعة . ووجه دلالة الحديث ، أن المؤمن لا ينجس ، فلا وجه لجعل الماء فاقدا للطهورية بمجرد مماسته له ، إذ غايته التقاء طاهر بطاهر وهو لا يؤثر .

قال ابن المنذر : روى عن على وابن عمر وأبي أمامة وعطاء والحسن ومكحول والنخعي ، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد بللا في لحيته : يكفيه مسحه بذلك ، قال : وهذا يدل على أنهم يرون الماء المستعمل مطهرا ، وبه أقول .

وهذا المذهب إحدى الروايات عن مالك والشافعي ، ونسبه ابن حزم إلى سفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر .

والله أعلم .