السؤال:

اشترى رجل لنفسه أملاكًا، ثم أخذها منه والده ومنعه من التصرف فيها، فهل يجوز للولد أخذها منه لكونها مِلكًا له أم لا؟ وهل تُعَدُّ إساءته لوالده بأخذها منه عقوقًا يعاقبه الله عليه في الآخرة أم لا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فأخذ الحق من الوالدين جائز ولا يعد عقوقاً؛ لأن العقوق هو أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرمًا، ومدار العقوق على ما يتأذى به أحد الوالدين تأذيًا شديدا، فليس كل إيذاء عقوقًا، والأولى للولد أن يبالغ في استعطاف والده واسترضائه حتى تطيب نفسه بذلك، فإن من البر بالوالدين أن يؤثر الولد سرورهما على سروره عند التعارض، لا سيما إذا كانا معتدلي الأخلاق سليمي الفطرة، وعلى الوالد أن يعين ولده على بره.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :
الفقهاء يجيزون أخذ الحق من الوالدين وإن استاءا ولا يعدون ذلك من العقوق الذي هو الإيذاء الشديد عرفًا، والمسألة مشكلة من حيث صلة الولد بالوالد ، وإننا نذكر أحسن ما قاله الفقهاء في ذلك ثم نتبعه النصيحة النافعة إن شاء الله تعالى .

قال شيخ الإسلام السراج البلقيني في فتاواه كما نقل عنه ابن حجر في (الزواجر) ما يأتي:

(مسألة قد ابتلي الناس بها واحتيج إلى بسط الكلام عليها وإلى تفاريعها لتحصيل المقصود في ضمن ذلك، وهي السؤال عن ضابط الحد الذي يعرف به عقوق الوالدين؛ إذ الإحالة على العرف من غير مثال لا يحصل به المقصود، إذ الناس أغراضهم تحملهم على أن يجعلوا ما ليس بعرف عرفًا، لا سيما إذا كان قصدهم تنقيص شخص أو أذاه، فلا بد من مثال يُنْسَج على مِنْوَاله، وهو أنه مثلاً لو كان له على أبيه حق شرعي، فاختار أن يرفعه إلى الحاكم ليأخذ حقه منه، فلو حبسه فهل يكون عقوقًا أم لا؟

(أجاب) هذا الموضوع قال فيه بعض العلماء الأكابر: إنه يَعْسُر ضبطه، وقد فتح الله سبحانه وتعالى بضابط أرجو من فضل الفاتح العليم أن يكون حسنًا فأقول: العقوق لأحد الوالدين هو أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرمًا من جملة الصغائر فينتقل بالنسبة إلى أحد الوالدين إلى الكبائر، أو أن يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل فيه الخوف على الولد من فوات نفسه أو عضو من أعضائه ما لم يتهم الوالد في ذلك، أو أن يخالفه في سفر يشق على الوالد وليس بفرض على الولد، أو في غيبة طويلة فيما ليس بعلم نافع ولا كسب أو فيه وقيعة في العرض لها وقع.

وبيان هذا الضابط أن قولنا: (أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرمًا)، مثاله لو شتم غير أحد والديه أو ضربه بحيث لا ينتهي الشتم أو الضرب إلى الكبيرة، فإنه يكون المحرم المذكور إذا فعله الولد مع أحد والديه كبيرة.

وخرج بقولنا: (أن يؤذي)ما لو أخذ فلسًا أو شيئًا يسيرًا من مال أحد والديه أنه لا يكون كبيرة، وإن كان لو أخذه من مال غير والديه بغير طريق معتبر كان حرامًا؛ لأن أحد الوالدين لا يتأذى بمثل ذلك لما عنده من الشفقة والحنو، فإن أخذ مالاً كثيرًا بحيث يتأذى المأخوذ منه غير الوالدين بذلك فإنه يكون كبيرة في حق الأجنبي، فكذلك يكون كبيرة هنا، وإنما الضابط فيما يكون حرامًا صغيرة بالنسبة إلى غير الوالدين.

وخرج بقولنا: (ما لو فعله مع غير والديه كان محرمًا)ما إذا طالب الوالد بدين عليه، فإذا طالب به أو رفعه إلى الحاكم ليأخذ حقه منه فإنه لا يكون من العقوق، فإنه ليس بحرام في حق الأجنبي، وإنما يكون العقوق بما يؤذي أحد الوالدين بما لو فعله مع غير والديه كان محرمًا، وهذا ليس بموجود هنا، فافهم ذلك فإنه من النفائس.

وأما الحبس فإن فرَّعنا على جواز حبس الوالد بدين الولد كما صحَّحه جماعة، فقد طلب ما هو جائز فلا عقوق، وإن فرعنا على منع حبسه كما هو المصحح عند آخرين، فإن الحاكم إذا كان معتقده ذلك لا يجيبه إليه، ولا يكون الولد الذي يطلب عاقًّا إذا كان معتقده الوجه الأول، فإن اعتقد المنع وأقدم عليه كان كما لو طلب حبس من لا يجوز حبسه من الأجانب لإعسار ونحوه، فإذا حبسه الولد واعتقاده المنع كان عاقًّا؛ لأنه لو فعله مع غير والديه حيث لا يجوز كان حرامًا، وأما مجرد الشكوى الجائزة والطلب الجائز فليس من العقوق في شيء.

وقد جاء ولد بعض الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو من والده في اجتياح ماله، وحضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك عقوقًا ولا عَنَّفَ الولد بسبب الشكوى المذكورة.

وَأَمَّا إِذَا نَهَرَ الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ فإنه إذا فعل ذلك مع غير والديه وكان محرمًا كان في حق أحد الوالدين كبيرة، وإن لم يكن محرمًا، وكذا (أُفّ) فإن ذلك يكون صغيرة في حق الوالدين، ولا يلزم من النهي عنهما والحال ما ذكر أن يكونا من الكبائر…ثم ذكر البلقينى مسألة مخالفة الأمر والنهي فيما يدخل الخوف على الوالد ، ومسألة السفر وليس من موضوع بحثنا .

وقد بحث ابن حجر بعد إيراد هذه الفتوى في الضابط، وعنده أن المدار في العقوق على ما يتأذى به أحد الوالدين تأذيًا ليس بالهين عرفًا، وإن لم يكن محرمًا لو فعله مع غيره قال: (كأن يلقاه فيقطب في وجهه أو يقدم عليه في ملأ فلا يقوم ولا يعبأ به، ونحو ذلك مما يقضي أهل العقل والمروءة من أهل العرف بأنه مؤذٍ تأذيًا عظيمًا).

وقال الغزالي في الإحياء: (وجملة عقوقهما أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما وأن يسألاه حاجة فلا يعطيهما وأن يسباه فيضربهما)وهو قد نقل ذلك عن (القوت) لأبي طالب المكي.

أقول: لا شك إن إيذاء الوالدين محرم، ولكن ليس كل إيذاء عقوقًا، وإنما العقوق هو الإيذاء الشديد، وهو يختلف باختلاف العرف، عرف العقلاء وأصحاب الذوق السليم والمعرفة بآداب الشرع وأحكامه، وإلا فإن من الوالدين من يؤذيه اتباع ولده للحق ومخالفته لهواه الباطل؛ ولذلك قالوا: إنه لا يجب على الولد أن يطلق امرأته امتثالاً لأمر أحد والديه، وإن مخالفتهما في مثل هذا لا تعد عقوقًا، ومثل ذلك مخالفتهما في كل ما فيه مصلحة له وفي تركه مضرة، نعم إن من البر المحمول أن يؤثر سرورهما على سروره عند التعارض، لا سيما إذا كانا معتدلي الأخلاق سليمي الفطرة.

وههنا مسألة مهمة لا بد من الإلمام بها في هذا المقام لإيضاح الحق في الواقعة المسؤول عنها،وهي أن كثيرًا من الوالدين يستبدون في أولادهم استبدادًا أشد من استبداد الملوك الظالمين في رعيتهم حتى يعيش الولد معهما في غم دائم ونكد لازم، والسبب في هذا الاستبداد الذي يكاد يكون منافيًا للفطرة البشرية في الوالدين هو الاعتقاد بأن لهما حقوقًا عظيمة على الولد توجب عليه أن يخضع لكل ما يريدان، وأن لا يكون له معهما إرادة ولا رأي ولا ملك، وإن صار أوسع منهما علمًا وأجود رأيًا وأكبر فضلاً، فهما ينظران إليه في شبابه أو كهولته كما كانا ينظران إليه في حداثته.

يقع هذا من الأم قليلاً ومن الأب كثيرًا، لا سيما إذا كان من أصحاب المال أو الجاه فإنه حينئذ يغلب عليه الشعور بعزة سيادة الوالدية وعزة الغنى والرفعة جميعًا، ويلذ له أن يرى ولده مفتقرًا إليه عاجزًا عن الاستقلال بنفسه، وذلك منتهى الجهل وفساد الفطرة وغاية الإسراف في الاستبداد، وهو العلة لما ترى عليه أبناء الأغنياء والكبراء الجاهلين من العجز عن كسب الثروة وعن حفظ ما يرثون منها والسبب في إسرافهم في كل أمر.

أما الآباء العقلاء فهم الذين يعينون أولادهم على برهم ويربونهم على الاستقلال بأنفسهم؛ لأنهم يعلمون أن هذا الاستقلال خير لهم من المال والعقار ومن الجاه والأنصار؛ لأن عدمه يذهب بكل شيء موروث، وهو الذي ينال به كل خير معدوم، ومن التربية على الاستقلال أن يعطي الغني ولده شيئًا من ماله وعقاره في حياته يستغله ويتمتع بثمرته تحت نظر الوالد وإرشاده، ولذلك فوائد كثيرة لا محل هنا لشرحها.

وقد رأيت بعض الشيوخ المدبرين يقسم بين أولاده كل ما يملكه، ويمسك لنفسه ما لا بد له منه، ويقول: لو أمسكت عنهم لتمنوا موتي ليتمتعوا بما في يدي، أما الآن فهم يحبونني ويتمنون أن تطول حياتي، وقد رأينا بأعيننا من يقسم جميع ما يملك بينه وبين أولاده في حياته بالمساواة؛ ليعودهم على الإدارة والاستغلال، ويربيهم على العز والاستقلال.

وما يؤثر عن القدماء في تأييد هذا: ما قاله الأحنف بن قيس لمعاوية وناهيك بعقل الأحنف وحكمته، قال يزيد: أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فلما صار إليه قال: يا أبا بحر ما تقول في الولد؟ قال: يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودهم، ويحْبوك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلاً ثقيلاً فيملوا حياتك، ويودوا وفاتك، ويكرهوا قربك.

هذا وإنما زدت في جواب هذا السؤال عما سئلت عنه؛ لأنه يثقل علي أن أفتي الابن بأن له أن يأخذ حقه من أبيه كما أفتى الفقهاء، ولا أصِل ذلك بما أرجو أن يكون سببًا في البر والصلة وتنبيه عاطفة الرحمة والشفقة في قلب الوالد لعله يتم فضله على ولده بتسليمه ما اشتراه له من قبل؛ ليكون قرة عين له ومحبًا لطول بقائه ومعينًا على بره وشكره.

وأنصح الولد أن يبالغ في استعطاف والده واسترضائه حتى تطيب نفسه بذلك، وأذكر الوالد بعد ما تقدم كله بما رواه أبو الشيخ في كتاب (الثواب) من حديث علي وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله والدًا أعان ولده على بره) فإن هذا الحديث من الأدعية التي ترشد إلى الحكمة السامية، وإن كان في سنده مقال، ورواه الفوقاني من رواية الشعبي مرسلاً كما في شرح الإحياء.
والله أعلم .