السؤال:

ما قولكم في زواج المسلم بغير المسلمة ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فزواج المسلم من كتابية مختلف فيه بين علماء الإسلام، منهم من أباحه ومنهم مَن منعه، لكن الأصل الذي لا خلافَ فيه أن الرجل هو صاحب القِوامة والسلطان على المرأة والأبناء، فإذا انسلخ الرجل عن حقِّه في القوامة إلى زوجته الكتابية فغير جائز باتفاق، ووجب منعه من التزوج بالكتابية حِفْظَا لمبادئ الدين .

يقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق -رحمه الله- ردا على سؤال مماثل: إن أفضل أنواع الزواج ما تلاقتْ عليه الرغبات، وخلُصت له القلوب وتناجَتْ به الأرواح، ومِن ضرورة ذلك أن تتَّفق العقيدة وتتناسَب الأخلاق، وتتَّحد الأهداف. وفي ظل ذلك التناسُب يَبْسط الزواج على الحياة الزوجية نَسيج السكن والمودة والرحمة، فتَطيب الحياة، وتُسعد الأبناء والأسرة، ولا يتحقَّق ذلك على الوجه الأكْمل في نظر الإسلام إلا إذا اتَّفق الزوجانِ في الدين والعقيدة، وكانَا مسلمينِ يأتمرانِ بأمر الإسلام، ويَنتهيانِ بِنَهْيِهِ، ويشدُّ الإسلام ما بين قلبيْهما مِن رباط.

أما إذا كان الزوج غير مسلم والزوجة مسلمة، أو كانت الزوجة غير مسلمة والزوج مسلمًا، فإن الحُكم في الإسلام له وجهٌ آخر. فهو بالنسبة للفرْض الأول، وهو أن يكون الزوج غير مسلم والزوجة مسلمة، الحُرْمة القطعيَّة والمنْع الباتُّ، وهو من الأحكام التي أجمعتْ عليها الأمة من عهد الرسول إلى يومنا هذا، وصار منْعه في الإسلام مِن الأحكام التي يقول عنها الفقهاء: “إنَّ العلْم بها ضروريٌّ” يُحكم على مَن أباحه بالخُروج عن الدين، وهذا ليس موْضع حديث اليوم، ولا ممَّا يتعلَّق لنا غرْض الآن ببحْثه.

وإنما غرضنا الكلام على الفرْض الثاني وهو تزوُّج المسلم بغير المسلمة.

ولبيان الحُكم في هذا الفرض يجب أن نُفرق أوَّلاً في غير المسلمة بين المُشركة التي لا تُقِرُّ بإِلَهٍ، ولا بكتاب سماويٍّ، والكتابيَّة التي تُقِرُّ بالأُلُوهِيَّة وتعترف بمبدأ رسالاتِ الله إلى خلقه، وتُؤمن بيوم البَعْث والجزاء.

والإسلام يرى بالنسبة للمشركة أن زواجها باطل، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يبني معها حياة زوجية، وقد جاء ذلك المنْع في صريح القرآن الذي لا يحتمل أفهامًا ولا آراء، ومن هنا كان محلَّ إجماعٍ ـ أيضًا ـ بين علماء الإسلام، ولم يُعرف لأحدٍ منهم رأيٌ بحِلِّهِ، وذلك قوله ـ تعالى ـ: (ولا تَنْكِحُوا المُشركاتِ حتَّى يُؤْمِنَّ ولَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولوْ أَعَجَبَتْكُمْ). (الآية 221 من سورة البقرة).

التزوُّج بالكتابية:
أما تزوُّج المسلم بالكتابية، ذات الدين السماوي، والكتاب الإلهي ـ وهو موضع حديثنا اليوم ـ فقد اختلف فيه علماء الإسلام، فمنهم من أباحه مستندًا إلى ظاهر قوله ـ تعالى ـ: (والمُحْصَنَاتُ مِن المُؤمناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكتابَ مِن قَبْلِكُمْ). (الآية: 5 من سورة المائدة). قالوا: فرَّقت هذه الآية بين المشركة التي حَرَّمَ التزوُّج بها قوله ـ تعالى ـ: (ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حتَّى يُؤْمِنَّ). وبيْن الكتابية، فأباحت التزوُّج بها.

ومنهم مَن طرَد المنْع ورأي حُرمة التزوج بالكتابية، شأنها شأن المشركة، ونسب ذلك الرأي إلى عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وبعض التابعين، ودرج عليه بعض الأئمة، وحُجتهم في ذلك أن الكتابية إذا غَيَّرت وبدلت وأنكرت رسالة محمد ـ عليه السلام ـ كانت داخله تحت عنوان: “المُشركات” وإيمانها بالله فقط لا يُخرجها عن دائرة الشرك، فإن الله يقول: (وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ باللهِ إلاَّ وهُمْ مُشْرِكُونَ). (الآية: 106 من سورة يوسف).

ويستندوا ـ أيضًا ـ في هذا المنع إلى الآيات الدالة على وُجوب المُباعدة عن الكفَّار كقوله ـ تعالى ـ: (يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخِذُوا اليهودَ والنَّصارَى أولياءَ بعضُهمْ أولياءُ بعْضٍ). (الآية: 51 من سورة المائدة). (لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِن دُونِكُمْ). (الآية: 118 من سورة آل عمران) (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعدُوَّكُمْ أوْلياءَ تُلقونَ إليهمْ بالمَوَدَّةِ وقد كَفَرُوا بمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ). (الآية الأولى: من الممتحنة) ولهم في تخريج قوله ـ تعالى ـ: (والمُحْصَنَاتُ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكتابَ مِن قَبْلِكُمْ). وُجوهٌ وآراءٌ ليس هذا الحديث مَوْضِعًا للكلام فيها.

الأصل الذي لا خلافَ فيه:
وسواء أصحَّ رأي هؤلاء بالحُرمة والمنع، أم صحَّ رأي الأولين بالإباحة والجواز من وجهة النظر في مصادر التشريع، فإن رأي الذين أباحوا مبنيٌّ على القاعدة الشرعية الطبيعية وهو أن الرجل صاحب القِوامة على المرأة، وصاحب السلطان والتوجيه في الأسرة والأبناء، ومن شأن الزوج المسلم أن يُنشِّئ ـ بما له من قوامةٍ ـ أبناءه وأسرته على الأخلاق الإسلامية، وقد أُبيح له أن يتزوَّج بغير المسلمة الكتابية، ليكون ذلك التزوُّج بمَثابة رسول من رُسل المحبة والأُلْفة؛ فيزول ما في صدرها للإسلام من جَفْوَةٍ؛ وتتلقى مِن حسن مُعاملة زوجها المسلم لها ـ وهي كتابية تُخالفه في دينه ـ محاسنَ الإسلام وفضائله عن طريقٍ عملي مباشر، تجد أثره في راحتها وحريتها الدينية وحصولها على حقوق الزوجية كاملة غير منقوصة، وهذا هو حُكمة الإسلام في إباحة التزوُّج بالكتابية على رأي هؤلاء الذين يَرون إباحته من جهة المصادر التشريعية.

المنْع المُتَّفق عليه:
أما إذا انسلخ الرجل المسلم عن حقِّه في القوامة، وألقى بمقاليد نفسه وأسْرته وأبنائه إلى زوجته الكتابية، فتصرَّفتْ فيه وفي أبْنائه بمُقتضَى عقيدتها وعادتها، ووضع نفسه تحت رأيها واتخذها قُدوة له يتبعها، وقائدًا يسير خلفها، ولا يَرى نفسه إلا تابعًا لها، مُسايرًا لرَأيها ومَشورتها، فإن ذلك يكون عكْسًا للقضية وقلبًا للحكمة التي أحلَّ الله لأجلها التزوُّج من الكتابيات.

وهذا هو ما نراه اليوم في بعض المسلمين الذين يرغبون التزوُّج بنساء الإفرنج، لا لغايةٍ سوى أنها إفرنجية تنتمي إلى شعب أُوروبي، بزعم أن له رُقِيًّا فوق رُقيِّ المسلمين الذين ينتسب هو إليهم، ويَعُدُّ نفسه واحدًا منهم. فيتركها تذهب بأولاده إلى الكنيسة كما تشاء، وتُسميهم بأسماء قومها كما تشاء، وتربطهم في صدورهم شعار اليهودية أو النصرانية، وترسم في حِجْر منزلها وأمام أعيُن أولادها ما نعلم وما لا نعلم، ثم بعد ذاك كله تُنشئهم على ما لها من عادات في المأكل والمشرب والاختلاط وغير ذلك ممَّا لا يعرفه الإسلام ولا يرضاه، أو ممَّا يعتبر الرضا به والسكوت عليه كُفْرًا وخُروجًا عن المِلَّةِ والدِّينِ.

إذا ضعُف الرجال وَجَبَ المنْع
إذا كان الله قد حرَّم على المسلمة أن تتزوج بالكتابي، صوْنًا عن التأثُّر بسلطان زوجها وقِوامته عليها، فإن الإسلام يرى أن المسلم إذا شذَّ عن مركزه الطبيعي في الأسرة ـ بحُكم ضعفه القومي، وألْقَى بمقاليد أمره بين يدي زوجته غير المسلمة ـ وجب منعه من التزوج بالكتابية، ويُوجب في الوقت نفسه على الحكومة ـ التي تَدِينُ بالإسلام ومبادئه في الزوجية، وتَغار على قوميتها وشعائرها في أبنائها ـ أن تضع لهؤلاء، الذين ينسلخون عن مركزهم الطبيعي في الأسرة، حدًّا يردُّهم عن غيهم، ويكفي في المنع العام أن ترى الحكومة أكثريةَ الذين يتزوَّجونَ بأجنبيات يضعون أنفسهم من زوجاتهم هذا الوضع الذي يُفسدون به أُسَرَهُمْ وقوْمِيَّتَهُم.

إن حِفْظَ مبادئ الدين، وحفظ سِياج القومية، لمِن أوجب الواجبات على الحكومات الإسلامية، وما ضعُف المسلمون وانحلَّت روابطهم إلا بهذا الذوبان الذي كثيرًا ما كان مَنْشَؤُهُ الافتتان برُقِيِّ الأجنبية وتقدمها في تنظيم البيوت وتربية الأبناء، وهي في الواقع تعمل على هدْم الكيان وتقويض القومية وقد كاد يتمُّ لها الأمر على أيدي هؤلاء السفهاء، ضِعاف الإيمان والقومية، يُؤازرهم في ذلك مَن يقرءون عليهم ـ مِن غير فهْم ولا تدبُّر، ولا إدراك لحكمة التشريع ـ قوله ـ تعالى ـ: (والمُحْصِنَاتُ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكتابَ مِن قَبْلِكُمْ). وكم لعبت الزَّوجة الكتابية من أدوار في خِدمة أُمَّتِهَا وحكومتها، وهي مُقيمة في بلاد الإسلام، تُرزق بخيراتها، وتنعم بحياتها تحت رجل مسلم غِرٍّ، خَدَعْتَهُ واتَّخذت منه جِسْرًا تخطو على ظهره إلى نَكْبَةِ بلاده، والعمل على تركيز قومها فيها.

التقييد أو المنْع لازم:
إن العمل على تقييد هذا الحُكم في التشريع الإسلامي أو منْعه منعًا باتًّا لأَلزمُ وأوجب ممَّا يُنادي به بعض المسلمين ويَرجون تشريعه مِن تحديد سِنِّ الزواج للفتاة، وتقييد تعدُّد الزوجات وتقييد الطلاق، والحديث اللَّغْو فيما لا يفهمون من كلمةِ: “بيت الطاعة”، وما إلى ذلك من النداءات النادرة التي ينشط لها كثيرٌ من أبناء المسلمين سَيْرًا وراء مدنيَّة الغرب المُظلمة.

ألَا إن انحلال الكثْرة الغالبة ممَّن يَميلون إلى التزوُّج بالكتابيات لما يُوجب الوقوف أمام هذه الإباحة التي نتلقاها مُطْلَقًة جهْلًا بغير علم، والتي أصبحت حالتنا تُنادي بإلغائها وأنها لا تتفق والغرض المقصود منها، ولا تتناسب مع نهضتنا الحالية التي قِوامها الاحتفاظ بالقومية الإسلامية وصوْنها عن عبث العابثين، وهدف المُغرضين الكائدين.
والله أعلم .