السؤال:

أنا فتاة، كانت لي أم، تركتني لأبي، وكان عمري خمسة أشهر فقط، وربتني عمتي أخت أبي، وعمري الآن أربعة عشر عامًا، وسمعت عن حقوق الوالدين، وأن الجنة تحت أقدام الأمهات . فهل يغضب الله على ما دامت هي - أي أمي - لا تريدني ؟ ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فعلى الأخت السائلة ـ على الرغم مما فعلته الأم ـ أن تبر أمها لأن الله أمر بالإحسان وصلة الوالدين حتى ولو كانا على كفرهما ، والأم ستحاسب على تركها لابنتها إن لم يكن لديها عذر مقبول عند الله في ذلك.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
للأم فضل عظيم، وللوالدين بصفة عامة، وقد أكد الله لك الوصية بهما في كتابه، وجعل ذلك من أصول البر، التي اتفقت عليها الأديان جميعًا، فوصف الله يحيى بقوله: (وبرًا بوالديه، ولم يكن جبارًا شقيًا) (مريم: 14) وكذلك وصف عيسى على لسانه في المهد: (وبرًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيًا) وكذلك جاء القرآن فجعل الأمر ببر الوالدين بعد عبادة الله وحده، بعد التوحيد . . (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا) (النساء: 36) (أن اشكر لي ولوالديك) (لقمان: 14) (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا) (الإسراء: 23) وبخاصة الأم، فهي التي حملت الإنسان كرها ووضعته كرهًا، وتعبت في حمله وتعبت في وضعه، وتعبت في إرضاعه، ولذلك وصى النبي بها ثلاث مرات، وبالأب مرة واحدة . فحتى هذه الأم التي لم ترحم طفلتها، والتي تركتها منذ صغرها، حتى هذه لها حق . . حق الأمومة، فالأم هي الأم، ولن يصير الدم ماء – كما يقول الناس.

والقرآن جعل للوالدين المشركين حقًا، قالت أسماء بنت أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي زارتني وهي مشركة، أفأصلها ؟ فنزل قول الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة: 8) وقال تعالى في سورة لقمان في الوالدين اللذين يجاهدان ويحاولان كل المحاولة لتكفير ولدهما وجعله مشركا بدل كونه مؤمنًا . . يقول الله عز وجل: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا) (لقمان: 15) حتى مع محاولة التكفير والصد عن طريق الله، وعن الإيمان، مع هذا يقول ” لا تطعهما ” ولكن ” صاحبهما في الدنيا معروفًا “.
فهذا ما جاء به الإسلام، أن يكون الإنسان بارًا بأبويه، وإن جارا عليه، وإن ظلماه . . وإن جفواه . . وهذا هو شأن مكارم الأخلاق: أن تصل من قطعك، وتبذل لمن منعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك . هذا في الناس عامة، فكيف في ذوي الأرحام ؟ فكيف بالوالدين ؟ فكيف بالأم التي جعل الله الجنة تحت أقدامها ؟

إننا نوصي الأخت السائلة، نوصيها أن تبر أمها، وأن تكون ذات فضل وإحسان، ولا تتبع الوساوس، فلعل الله يصل ما انقطع من حبال المودة، والأم هي الأم على كل حال.

ولعل هذه الأم كانت لها ظروف خاصة لا تدركها الآن، وربما تدركها في المستقبل . وعاطفة الأمومة لا تحتاج إلى تقرير ولا إلى وصية . . والإسلام حين وصى . . إنما وصى الأولاد بوالديهم، ولم يوص الآباء ولا الأمهات . . لأنهم ليسوا في حاجة إلى وصية، وخاصة الأم فإن قلبها مطبوع بالحنان، فإذا خرجت أم ما عن هذا الأمر، فلا بد أن يكون هناك فعلاً من البواعث والدواعي العنيفة ما جعلتها تسلك هذا السلوك الشاذ . . ولعل الفتاة حين تشب عن الطوق، تدرك الظروف التي جعلت أمها تسلك هذا السلوك الغريب.
والله أعلم