السؤال:

هل حلق اللحية حرام، وما هو الضابط في تقصيرها أو إعفائها؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

فاللحية مختلف في حكمها، والجمهور على أنها سنة مؤكدة، وقال البعض بوجوبها، وأكثر العلماء على جواز واستحباب تهذيبها، وأما تقصيرها تقصيرا بينا فيكره، وقيل : يحرم .

وعلى هذا فيكون حلق اللحية من الأمور التي اختلف فيها العلماء ، بعضهم قال بحرمة الحلق ، حتى شدد البعض في ذلك فوصفه بالمنكرات ، وآخرون قالوا بكراهته ، والحقُّ أن إبقاءها وعدم حلْقها كان شأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .وذلك كما يلي:

اختلف الفقهاء في الأخذ من اللحية كما اختلفوا في حكمها ، فمنهم من يرى أن اللحية واجبة الإعفاء والترك ، لا يؤخذ منها شيء على الإطلاق ،ومنهم من قيده بأن يكون الأخذ ما زاد عن القبضة،ومنهم من يرى أن الأخذ دون قبضة اليد جائز ،وأنه من حسن الهيئة والمنظر ،وفي الأمور الخلافية يحسن البعد عن التعصب ، على أن من يرى أن اللحية سنة يجيز الأخذ منها .
فقدأخرج الإمام الطبري في تفسيره :عن المحاربي، قال: سمعت رجلاً يسأل ابن جريج، عن قوله: {ثم ليقضوا تفثهم} قال: الأخذ من اللحية، ومن الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ورمي الجمار.
وجاء في كنز العمال في باب الأخذ من اللحية :

قال الإمام الترمذي في سننه ما خلاصته:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفوا الشوارب وأعفوا اللحى).
(وأعفوا اللحى) من الإعفاء وهو الترك، وقد حصل من مجموع الأحاديث خمس روايات: أعفوا وأوفوا وأرخوا وارجوا ووفروا، ومعناها كلها تركها على حالها.
قال الطبري: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها.

وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فعل ذلك، وإلى عمر أنه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله.

ثم حكى الطبري اختلافًا فيما يؤخذ من اللحية هل له حد أم لا ؟
فأسند عن جماعة الاقتصار وعلى أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف.
وعن الحسن البصري: أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها.

قال: وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة وأسنده عن جماعة واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به.

واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. انتهى.

ثم قال الحافظ: وقال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها كذا قال. وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها، قال: والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره، وكان مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه. أ ه

قلت: لو ثبت حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب المتقدم (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها) لكان قول الحسن البصري وعطاء أحسن الأقوال وأعدلها لكنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به.

وأما قول من قال: إنه إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، واستدل بآثار ابن عمر وعمر وأبي هريرة رضي الله عنهم فهو ضعيف، لأن أحاديث الإعفاء المرفوعة الصحيحة تنفي هذه الآثار، فهذه الآثار لا تصلح للاستدلال بها مع وجود هذه الأحاديث المرفوعة الصحيحة، فأسلم الأقوال هو قول من قال بظاهر أحاديث الإعفاء وكره أن يؤخذ شيء من طول اللحية وعرضها، والله أعلم.انتهى.تحفة الأحوذي (8/46 و 47).

واختلف السلف فيما طال منها فقيل لا بأس أن يقبض عليها ويقص ما تحت القبضة كما فعله ابن عمر ثم جمع من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة والأصح كراهة أخذ ما لم يتشعث ويخرج عن السمت مطلقاً

وفي موطأ مالك من رواية محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة :

أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته (أي من طولها وعرضها، إذا زاد على القدر المسنون، وهو قدر القبضة) ومن شاربه
قال محمد: ليس هذا بواجب، من شاء فعله. ومن شاء لم يفعله.
قوله: ليس هذا بواجب، أي ليس أخذ اللحية والشارب واجباً بل واختلفوا في ما طال من اللحية على أقوال:

الأول: يتركها على حالها ولا يأخذ منها شيئاً وهو مختار الشافعية، ورجحه النووي وهو أحد الوجهين عند الحنابلة.

الثاني: كذلك إلا في حجّ وعمرة فيستحب أخذ شيء منها، قال الحافظ: هو المنصوص عن الشافعي.

الثالث: يستحب أخذ ما فحش طولها جداً بدون التحديد بالقبضة، وهو مختار الإمام مالك رحمه الله، ورجّحه القاضي عياض.
الرابع: يُستحب ما زاد على القبضة وهو مختار الحنفية .

وفي فتح الباري شرح صحيح البخاري :
(وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه) هو موصول بالسند المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في ” الموطأ ” عن نافع بلفظ ” كان ابن عمر إذا حلق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه ” وفي حديث الباب مقدار المأخوذ.

وقال الكرماني: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى (محلقين رءوسكم ومقصرين) وخص ذلك من عموم قوله ” وفروا اللحى ” فحمله على حالة غير حالة النسك.
قلت.
الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه.

والله أعلم.