السؤال:

زوجي ليس لديه عمل والأولاد في المدرسة يحتاجون للمصاريف لاتمام دراستهم ولو تركناهم قد لا يتعلمون ويصبحون عالة في المجتمع، وقد فكرت كثيرا في أن أساعد أبنائي حتى يستطيعوا اكمال دراستهم حتى يدخلوا الجامعة ويستطيعوا الاعتماد على أنفسهم وقد بحث كثيرا عن عمل فلم أجد فسلكت طريق السوء لتوفير مصاريف المنزل للبيت ولأبنائي والآن أنا أمقت نفسي من هذا الفعل الذي قمت به ولكنني لا أعلم ماذا أفعل حتى أؤمن مصاريف المعيشة

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد: –

الأخت الفاضلة:-

بداية لا بد أن نتفق على أن زوجك هو المكلف بالسعي عليك أنت وأولادك ، وأنه وحده المسئول عن ذلك، وأنه يأثم إثما مبينا إذا ضيع هذا ، وفي الحديث : ” كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت” وعليك أن لا تستسلمي لوضع زوجك هذا ، بل عليك أن تحمليه حملا على أداء مهمته بأي طريق تستطيعين ، أما تحملك أنت المسئولية فهذا يغريه بالقعود عن واجبه.

وأما عن الاستمرار في عملك بدعوى الحاجة والضرورة فاسألي نفسك: هبي أنك استمررت بالعمل من أجل الأولاد حتى استغنوا بوظائفهم هل يمكنك أن تواجهينهم بما كنت تبذليه من نفسك من أجل تعليمهم؟ وهل إذا عرفوا هذا سيحمدون هذا لك ويعتبرونك أما مثالية ؟ أم هل يعذرونك بفعلك أم سيتبرئون منك ويبغضون ما أتيت من منكر؟

وإذا كان هذا حالهم فكيف يكون حالك مع الله ، والله أغير من ولدك ومن زوجك ومن كل الناس كما جاء في الحديث.

أختي الفاضلة : إنك تشعرين أنك تمقتين نفسك الآن …ألا فاعلمي أن مقت الله لك أشد مقتا من مقتك نفسك، والانطلاقة التي لا بد أن تنطلقي منها أن توقني تمام اليقين أن الرزق بيد الله، وأن ما عند الله لا ينال بمعصيته ، وأن ما أنت فيه ألآن اختبار مقصود دبره الله ليختبر إيمانك ، وليس ضربة عشواء تجري في الكون ، فأنت الآن في اختبار حقيقي مقصود إما أن تنجي وإما أن ترسبي، فاختاري لنفسك.

وإن كان هذا اختبارا من الله فإن الله لطيف حتى في ابتلائه

ويتجلى لطف الله هنا أنه لن يتركك إذا آثرت رضاه ، وقدمت طاعته فالمطلوب منك أن تصير لذتك فيما يرضى مولاك و إن كان مخالفا لهواك، و يكون ألمك فيما يكره مولاه و إن كان موافقا لهواك…. فإن وجد الله منك ذلك فساعتئذ يأتي الفرج، كما وحده الله من سيدنا إبراهيم حينما أسلم إسماعيل للذبح واستلم السكين وهوى بها على رقبته فعنئدئذ – وعندئذ فقط- ناداه الله بقوله : ” فلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)”.

واسمعي معي كلام الإمام ابن القيم :-

..عنوان هذا الباب وقاعدته أن من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه كما ترك يوسف الصديق عليه السلام امرأة العزيز لله واختار السجن على الفاحشة فعوضه الله أن مكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء وأتته المرأة صاغرة سائلة راغبة في الوصل الحلال فتزوجها فلما دخل بها قال هذا خير مما كنت تريدين فتأمل كيف جزاه الله سبحانه وتعالى على ضيق السجن أن مكنه في الأرض ينزل منها حيث يشاء وأذل له العزيز امرأته وأقرت المرأة والنسوة ببراءته وهذه سنته تعالى في عباده قديما وحديثا إلى يوم القيامة ولما عقر سليمان بن داود عليهم السلام الخيل التي شغلته عن صلاة العصر حتى غابت الشمس سخر الله له الريح يسير على متنها حيث أراد ولما ترك المهاجرون ديارهم لله وأوطانهم التي هي أحب شيء إليهم أعاضهم الله أن فتح عليهم الدنيا وملكهم شرق الأرض وغربها ولو اتقى الله السارق وترك سرقة المال المعصوم لله لآتاه الله مثله حلالا قال الله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه إذا اتقاه بترك أخذ مالا يحل له رزقه الله من حيث لا يحتسب وكذلك الزاني لو ترك ركوب ذلك الفرج حراما لله لأثابه الله بركوبه أو ركوب ما هو خير منه حلالا

وقال الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا عبدالرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال قال رسول الله النظرة إلى المرأة سهم من سهام إبليس مسموم من تركه خوف الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه” . انتهى.

والله أعلم .