السؤال:

في بلادنا شيخ اعتاد أن يُرجع المطلقة ثلاثًا إلى زوجها، يقول للذي طلق: من الذي وكَّل لزوجتك عند العقد عليها؟ وليها أم غيره؟ فإن كان غيره حكم بفسخ العقد وعقد له عليها ثانية, ولو كان رزق منها بأولاد..هذه الفتوى هل هي موافقة للكتاب والسنة؟ وما قولكم في النظام الواقع بعد العقد الجديد؟ وما أعقبه من الأولاد؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فهذه الكيفية لإرجاع المطلقة ثلاثًا لم يعرف عن أحد من السلف الصالح, ولا يدل عليه كتاب, ولم تمض به سنة, أما ما كان عليه السلف في مسألة الطلاق الثلاث فالإجماع على أن من طلق امرأته ثلاث مرات فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا مقصودًا, وهذا ظاهر نص القرآن, وجرت به السنة, وعليه العمل.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :
إن ما ذكر في السؤال من كيفية إرجاع المطلقة ثلاثًا إلى المطلق لم يعرف عن أحد من السلف الصالح, ولا يدل عليه كتاب, ولم تمض به سنة, وإنما هو من احتيال المتفقهة المبني على اختلاف المذاهب, وهو من مفاسد التقليد للعبارات من غير مراعاة نصوص الشرع وحِكَمه, والكتاب والسنة لا اختلاف فيهما [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] (النساء:82) فمن عمل بهما لا يمكن أن يفتي في المسألة الواحدة (كالطلاق الثلاث) بفتاوى مختلفة, وما أظن الرجل يدعي ذلك فيبين خطؤه بذكر الآيات والأحاديث, وإنما يدعي أنه يفتي بمذاهب الأئمة عليهم الرضوان.

فنقول في بيان خطئه: إنه لم يقل أحد منهم بجواز إقامة الرجل مع المرأة زمنًا بعقد على مذهب ثم اعتباره فاسدًا وتجديد عقد آخر على مذهب آخر, واعتبار الأولاد الذين ولدوا لهما في زمن كل من العقدين أولادًا شرعيين، وقد صرحوا بأنه (إذا عمل العامي بقول المجتهد في حكم مسألة فليس له الرجوع منه إلى غيره اتفاقًا, وأما في حكم مسألة أخرى فيجوز له أن يقلد غيره، على المختار) وذلك أن التزام أحد أقوال المجتهدين بالعمل به يرفع الاختلاف بالنسبة إلى العامل كحكم الحاكم.

ربما يقول هذا الملفق: إن عمله من التلفيق الذي أجازه بعض العلماء، ونحن نعترف بأن بعض العلماء أجاز التلفيق خلافًا لما جاء في كتاب الدر المختار من كتب الحنفية من حكاية الإجماع على بطلان الحكم الملفق, ولكن الذي يجيزه يشترط أن يكون في مسألة واحدة بحيث يأتي بحكم لم يقل به أحد من المسلمين, وأن لا يكون فيه رجوع عما عمل به أو عن لازمه إجماعًا كما هنا، ذكر هذا ابن نجيم في رسالته في بيع الوقف بغبن فاحش وقال: إنه مأخوذ من إطلاقهم جواز تقليد من قلده في غير ما عمل به.

وإذا كان العاميّ الغافل عرضة للمتجرين بالدين يصدق كل ما يقولون، فكيف يتجرأ العالم المدرس على الفتوى بأقوال متناقضة كالقول بأن الولي شرط في صحة النكاح والقول بأنه غير شرط مع علمه بأن الحق واحد واجتماع النقيضين محال.

أيعمل بقول من قال: نحن مع الدراهم قلة وكثرة؟ وهل يستحل أولئك الذين أجازوا لأنفسهم الفتوى بالقولين المتضادين لكثرة الدراهم أن يفتوا بهما الرجل الواحد في الموضوع الواحد؟ أم يخففون وطأة جميع الأحكام الدينية فيفتون كل مستفتٍ بقول ليكون هذا مقلدًا لفلان والآخر مقلدًا لعلان؟ إذ لا معنى لتقليد شخص واحد لعالمين مختلفين في مسألة واحدة لها لوازم مختلفة كواقعة السؤال.

أما ما كان عليه السلف في مسألة الطلاق الثلاث فالإجماع على أن من طلق امرأته ثلاث مرات فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا مقصودًا, وهذا ظاهر نص القرآن, وجرت به السنة, وعليه العمل.

واختلفت الروايات والأحاديث في الطلاق مرة واحدة بلفظ الثلاث، فالمذاهب الأربعة على اعتبارها ثلاثًا إلا بعض الحنابلة كابن تيمية وابن القيم ولهم سلف وحديث صحيح يحتجون به, وإنما نقول: إن عمل العالم المذكور في السؤال ليس عليه إلا أن يكون بعد العدة, وعليه إذا طلق الزوج مرة أخرى كانت ثالثة لها حكم الثلاث.
والله أعلم .