السؤال:

فضيلة الشيخ، أنا أعمل في الشركة التي تقوم غالبا ما بالأنشطة المحرمة من الخمور والكحول والرقص وغير ذلك من الأمور المحرمة، فما حكم ذلك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالأخ الفاضل، طالما أنك تعمل عملا مشروعا، وتتقاضى عليه أجرا مشروعا فلا يضرك بقية مشروعات الشركة المحرمة سواء أكانت الإدارات مختلطة أو منفصلة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يعاملون اليهود المرابين معاملات مشروعة، ويقبضون عليها أجورا مشروعة، ولم يكن يضرهم أن في أموالهم حراما. وإن كان من شبهة في الأمر، فمدارها عندي أنك ربما تطلع على الأنشطة المحرمة من الخمور والكحول والرقص فتسكت، والواجب على المسلم إذا رأى منكرا أن يغيره، أو أن يتحول عنه، فما رأيت من منكر فأنكر على حسب جهدك، وإن كان الظاهر من سؤالك أنك بعيد عن المنتجات الحرام. وأما إذا كانت الأنشطة المحرمة تدخل ضمن عملك فلا يجوز لك العمل.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

وقال القليوبي من الشافعية: لا يحرم الأكل ولا المعاملة، ولا أخذ الصدقة، والهدية، ممن أكثر ماله حرام إلا ما علم حرمته، ولا يخفى الورع.

وقال الإمام أحمد في جائزة السلطان: أكرهها، وكان يتورع عنها، ويمنع بنيه وعمه من أخذها، وأمرهم بالصدقة بما أخذوه، وذلك لأن أموالهم تختلط بما يأخذونه من الحرام من الظلم وغيره فيصير شبهة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه}.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك}. واحتج أحمد بأن جماعة من الصحابة تنزهوا عن مال السلطان، منهم: حذيفة، وأبو عبيدة، ومعاذ، وأبو هريرة، وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم. ولم ير أحمد ذلك حراما، فإنه سئل فقيل له: مال السلطان حرام؟ فقال: لا، وأحب إلي أن يتنزه عنه، وفي رواية قال: ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم حق، فكيف أقول إنها سحت؟ وقال أحمد: جوائز السلطان أحب إلي من الصدقة، يعني أن الصدقة أوساخ الناس صين عنها النبي صلى الله عليه وسلم وآله لدناءتها ولم يصانوا عن جوائز السلطان .

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية أيضا : من القواعد الفقهية أنه إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام، قال الجويني: لم يخرج عن هذه القاعدة إلا ما ندر. قال السيوطي: خرج عن هذه القاعدة فروع منها: معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عين الحرام لا يحرم في الأصح لكن يكره، وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام في يده .

وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني: إذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال كالسلطان و الظالم والمرابي، فإن علم أن المبيع من حلال ماله فهو حلال وإن علم أنه حرام فهو حرام؛ لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه، فإن لم يعلم من أيهما هو كرهناه لاحتمال التحريم فيه، ولم يبطل البيع؛ لإمكان الحلال، قل الحرام أو كثر، وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام وكثرته تكون كثرة الشبهة وقلتها، قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه.

وذهب بعض الفقهاء ومن بينهم الغزالي إلى أنه يحرم التعامل مع من غالب ماله من الحرام.

وقال العز بن عبد السلام في معاملة من اعترف بأن أكثر ماله حرام: إن غلب الحرام عليه بحيث يندر الخلاص منه لم تجز معاملته، مثل أن يقر إنسان بأن في يده ألف دينار كلها حرام إلا دينارا واحدا، فهذا لا تجوز معاملته بدينار لندرة الوقوع في الحلال، كما لا يجوز الاصطياد إذا اختلطت حمامة برية بألف حمامة بلدية، وإن عومل بأكثر من الدينار أو اصطيد بأكثر من حمامة فلا شك في تحريم ذلك. وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة كما لو اختلطت أخته من الرضاع بألف امرأة أجنبية، أو اختلطت ألف حمامة برية بحمامة بلدية فإن المعاملة صحيحة جائزة لندرة الوقوع في الحرام، وكذلك الاصطياد. ثم قال: وبين هاتين الرتبتين من قلة الحرام وكثرته مراتب محرمة ومكروهة ومباحة.

وضابطها : أن الكراهة تشتد بكثرة الحرام وتخف بكثرة الحلال، فاشتباه أحد الدينارين بآخر سبب تحريم بين، واشتباه دينار حلال بألف دينار حرام سبب تحريم بين، وبينهما أمور مشتبهات مبنية على قلة الحرام وكثرته بالنسبة إلى الحلال، فكلما كثر الحرام تأكدت الشبهة، وكلما قل خفت الشبهة، إلى أن يساوي الحلال الحرام فتستوي الشبهات. والله أعلم.