السؤال:

تعالت الأصوات المطالبة بإلغاء حكم تأديب الزوجة وتأويل النصوص الدالَّة عليه لما يترتَّب عليه من إساءة للمرأة، وإظهار للإسلام في موقف معاد لها؟ فلماذا أعطى الإسلام للرجل حقا في تأديب زوجته ؟ وهل في ذلك ظلم للمرأة ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فتأديب الزوجة مشروع بنصوص الكتاب والسنَّة وذلك عند تفاقَم الخلاف بين الزوجين ، فأرشد الشارع مَن له القِوامة أن يحفظ كيان الأسرة من الانهيار، وذلك بأن يعظ زوجتَه بالحسنى، فإن لم تستقم أعرض عنها في الفراش، فإن لم تستقم ضربها ضربا غير مُبَرِّح إلا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حضَّ على عدم الضرب، لكن طلب إلغاء حكم التأديب أو النصوص الدالَّة عليه يعتبر خروجا عن المِلَّة، لما يترتَّب عليه من جُحود معلوم من الدين بالضرورة .

يقول أ. د عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر:
أراد الشارع بالعَلاقة الزوجية أن تكون علاقة دائمة، ولهذا شرع من الأحكام ما يُحَقِّق مقصوده، فرخَّص لطرَفي هذه العلاقة أن ينظر كلٌّ منهما إلى صاحبه قبل إبرام العقد، فربما رأى منه ما يكون أَدْعَى لدوام العشرة؛ فقد رُوِيَ عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما” أي تدوم بينكما المودة والعشرة، مع أن نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية عنه مُحرَّم بحسب الأصل، وأوجب الشارع على الزوج بذل المهر إلى الزوجة بسخاء وطيب نفس، كما يبذل الإنسان الهبة لغيره، تطييبًا لخاطر الزوجة ورفعًا لشأنها، وبرهانًا لإعزازها، فقال الحق سبحانه: (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) النساء : 4، كما أوجب على كلٍّ من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، فقال سبحانه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة : 228 .، وأوصى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل بالإحسان إلى زوجته، فقال، صلى الله عليه وسلم: “استوصُوا بالنساء خيرًا ” .

ورغَّب الشارع في الإصلاح بين الزوجين، إذا احتدم النزاع، وخِيف من التنافُر المؤدِّي إلى الفُرْقة، فقال الله، تعالى: (وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بينِهما فابعَثُوا حكمًا من أهلِهِ وحكمًا من أهلِهَا إنْ يُريدَا إصلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بينَهُما) ومنع من التطليق إلا عند الضرورة ، فرُوِيَ عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا تُطَلِّقوا النساء إلا من رِيبة؛ فإن الله لا يحب الذوَّاقين ولا الذوَّاقات”، كما نهى عن الإيعاز إلى الزوج بتطليق زوجته، إذ رُوِي عن أبي هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا تسأل المرأةُ طلاقَ أختها لتكفئ ما في صفحتها أو إنائها” ومنع الزوجة من أن تسأل زوجها أن يُطلِّقها من غير مقتضٍ، فرُوِي عن ثوبان أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “أيما امرأة سألت زوجها طلاقَها من غير ما بأسٍ، فحرام عليها رائحة الجنة” كما نفَّر الزوج من إنهاء عَلاقته بزوجته بالطلاق، فرُوِي عن ابن عمر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “أبغض الحلال إلى الله الطلاق”، ومقصود الشارع من ذلك كله دوام العشرة بين الزوجين .

وقد أمر الشارع المرأة بطاعة زوجها في كل ما يتعلق بعقد النكاح من حقوق، وجعل المرأة التي تُطيع زوجها في ذلك من خير النساء، فروي عن عبد الله بن سلام أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “خير النساء مَن تسرُّك إذا أبصرتَ، وتُطيعك إذا أمرتَ، وتحفظُ غَيْبتَك في نفسها ومالك”، إلا أنه قد يظهر من المرأة عدم اكتراث بحقوق زوجها عليها، فتضرِب بهذه الحقوق عُرْض الحائط، كأن تُسافر بدون إذنه، أو تعصي أمره، أو تُدخل في بيته مَن يكره، أو لا تحفظ ماله، أو تحتدُّ عليه في الحديث، أو تتعمَّد إهانته والإساءة إليه، ونحو ذلك، ففي هذه الحالة حرص الشارع على ألا يتفاقَم الخلاف بين الزوجين إلى الحدِّ الذي تستحيل معه المعاشرة بينهما .

فأرشد مَن له القِوامة على هذه الأسرة، إلى ما ينبغي أن يكون بحفظ كيانها من التصدُّع أو الانهيار، وذلك بأن يعظ زوجتَه بالحسنى، فيُذَكِّرها بحقوقه عليها، وما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين، وهذه العِظَة هي أُولَى درَجات التأليف بين الزوجين، تتلوها درجتان أشد منها يتبعهما الزوج إذا دعت إليهما ضرورة الحِفاظ على كِيان الأسرة، وأكثر النساء اللاتي أظهرن عدم الاكتراث بحقوق أزواجهن، تكفيهن هذه الموعظة للعدول عما انطوت من هذه الاستهانة.

إلا أن بعض النساء قد يستمرِئْن هذه الاستهانة بحقوق أزواجهن، وتُلقَى عليهن الموعظة فلا تجد منهن إلا آذانًا مُعرِضة نافرة، ونفوسًا ساخطة، وفي هذه الحالة لا تجدي موعظة، فكان لا بد من الالتجاء إلى وسيلة أخرى لحفظ بُنيان الأسرة من التصدُّع أو الانهيار، وهو إعراض الزوج عن زوجته، بأن يستدبِرَها في الفراش، حتى تستشعر عِظَم ما أهدرته من حقوقه عليها، وغالبًا ما تأتي هذه الوسيلة بالمقصود منها، خاصة مع ذوات الطِّباع الحادَّة، اللاتي يؤذيهن هذا الإعراض، وليس في هذه الوسيلة أو سابقتها امتهان لكرامة المرأة أو تحقير من شأنها، كما أنه ليس فيها عُنف أو تعنيف .

وهناك وسيلة ثالثة هي أشدُّها وأقساها على النفس، قد يضطر الزوج إلى استعمالها عند الضرورة إليها، وهي الضرب غير المُبَرِّح، الذي لا يكسر عظمًا ولا يدمي جلدًا، ولا يُسَبِّب عاهة، وهذه الوسيلة، وإن كانت مشروعة بنصوص الكتاب والسنَّة، إلا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حضَّ على عدم استعمالها، فروي عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “وخيرُكم لا يَضرِب” ورُوي عبد الله بن زمعة عنه قوله: “لا يَجلِد أحدُكم امرأتَه جلد العبد، ثم يُجامعها في آخرِ اليوم”، وروي عن عائشة قالت: “ما ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ امرأة له ولا خادمًا قط”، وهذا دليل على أفضلية عدم ضرب الزوج زوجته عند خوف نُشوزها .

ومما يدل على مشروعية استعمال الوسائل السابقة قول الله، تعالى: (واللاتِي تخافونَ نُشوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهجُرُوهنَّ في المضاجعِ واضرِبُوهُنَّ) وما رواه معاوية بن حيدة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قوله: “حق المرأة على الزوج أن يُطعِمَها إذا طَعِم، ويكسوَها إذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يُقَبِّح، ولا يهجُر إلا في البيت” وروَى عمرو بن الأحوص عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “استوصُوا بالنساء خيرًا؛ فإنما هن عندكم عوانٌ، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مُبَيَّنة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح “.

وهذا وغيره دليل على أن استعمال الزوج إحدى الوسائل السابقة مشروع عند الاقتضاء؛ لما سبق من نصوص، فطلبُ إلغاء حكم التأديب أو النصوص الدالَّة عليه خروج عن المِلَّة، لما يترتَّب عليه من جُحود معلوم من الدين بالضرورة، وعبَث بشرع الله سبحانه، وزلزلة للثوابت الإسلامية التي استقرت عليها شِرْعة الإسلام .
والله أعلم .