السؤال:

أي الأمرين أفضل للمسافر، الصوم في السفر، أو الفطر؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فالسفر رُخْصة عامة في الفطر لا خلاف بين الفقهاء فيها، إنما الخلاف في أفضليته على الصوم، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أفضلية الصوم عن الفطر في حق المسافر، إذا كان قادرًا على الصيام في سفره بلا مشقَّة، والمستقرئ للأحاديث الواردة يُدرك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان يترخص بالفطر في السفر، إلا مُراعاةً لحال أصحابه حينما يشُقُّ عليهم الصيام في السفر، لذا فالأفضل للمسافر في أيامنا هذه حيث تقل المشقة هو الصوم في السفر.

 

يقول أ. د عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر:

لا خلاف بين الفقهاء على أن للمسافر أن يترخَّص بالفطر في شهر رمضان، إذا كان سفره إلى مسافة تُقصَر فيها الصلاة، وإنما الخلاف بينهم في أي الأمرين أفضل للمسافر، الصوم في السفر، أو الفطر؛ أخذًا بالرُّخصة فيه، وقد جاءت رخصة الفطر منوطةً بالسفر مطلقًا، في قول الحق سبحانه: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) البقرة 184  أي فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر بعُذْر المرض أو السفر فعدة من أيام أُخَر.

فالسفر وَفقًا لِمَا ورد في الآية الكريمة رُخْصة عامة في الفطر، وقد ذهب جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومنهم الأئمة الأربعة، إلى أفضلية الصوم عن الفطر في حق المسافر، إذا كان قادرًا على الصيام في سفره بلا مشقَّة، وقد استدل هؤلاء بأحاديث كثيرة، منها: ما روي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: “خرجت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عمرة رمضان، فأفطر وصمتُ، وقصَّر وأتممتُ، فقلت: بأبي وأمي أفطرتَ وصُمْتً، وقصرتَ وأتممتُ، فقال: أحسنتِ يا عائشة”، حيث استحسن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عائشة أنها لم تترخَّص بالفطر في حال سفرها معه، مع أنه ترخَّص بذلك، وهذا دليل على أن ما أتت به هو الأفضل.

 

ورُوِي عن أبي سعيد الخدري قال: سَافَرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ إِلى مكة ونحن صِيامٌ، فنزلنا منزِلًا، فقال رسول اللهِ، صلى الله عليهِ وسلم: إِنكم قد دنوتم مِن عدوكم والفِطر أقوى لكم فكانت رخصةً، فمِنّا من صام ومِنّا من أفطر ثمّ نزلنا منزِلًا آخر، فقال:إِنّكم مصبِّحو عدوِّكم والفِطر أقوى لكم فأفطِروا وكانت عزمةً فأفطرنا ثمّ قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسولِ اللّهِ ـ صلّى اللّه عليهِ وسلّم ـ بَعدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ”، وروي عن أبي الدرداء قال: “خرجنا منع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شهر رمضان في حر شديد، حتى أن كان أحدنا لَيضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعبد الله بن رواحة”.

فاستدامة الصيام من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه في أسفارهم دليل على أن الصوم في السفر أفضل من الترخص بالفطر، وقد رويتُ عدة أحاديث تُفِيد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترخص بالفطر في سفر، إلا أن المستقرئ لهذه الأحاديث يُدرك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما ترخص بالفطر لَيقتدي به أصحابه فيه، فيترخَّصوا، حينما وجد من حالهم في السفر ما يقتضي الرفق بهم، خاصة وأنهم كانوا لا يفعلون إلا ما يفعله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

فقد روي عن جابر بن عبد الله “أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العُصاة، أولئك العُصاة”، وفي رواية أخرى من حديث جابر: “أنه قيل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه أن أناسًا صاموا، فقال: أولئك العُصاة”، وفي رواية ثالثة من حديث ابن عباس قال: “خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى مرَّ بغدير في الطريق، وذلك في نحر الظهيرة، فعطش الناس، فجعلوا يَمُدُّون أعناقهم وتَتُوقُ أنفسهم إليه، فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقدح فيه ماء، فأمسكه على يده حتى رآه الناس، ثم شَرِب فشرب الناس”.

فإن روايات هذا الحديث تفيد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ظلوا صائمين في يوم سفرهم هذا، ولم يترخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالفطر إلا بعد عصر ذلك اليوم، حينما وجد أن السفر والصوم نالا من أصحابه، وامتنعوا عن الأخذ بالرخصة حتى يترخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبلهم، ولهذا رفع قدح الماء بيده حتى يراه أصحابه، ثم شرب منه ليقتدوا به، ورُوِيَ عن أبي سعيد الخدري قال: “أتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على نهر من ماء السماء، والناس صيام في يوم صائف مُشاةً، ونبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بغلة له، فقال: اشربوا أيها الناس، فأبَوْا، قال: إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني راكب، فأبَوْا، فثنى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخذه، فنزل فشرب، وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب”.

وهذا الحديث كسابقه يدل على أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يمسك في سفره عن المفطِرات ولا يترخَّص بالفطر، باعتبار أن الصوم في السفر أفضل، وما كان يترخص بالفطر في السفر، إلا مُراعاةً لحال أصحابه حينما يشُقُّ عليهم الصيام في السفر، ولا يترخَّصوا إلا بعد ترخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا ما أضيف إلى هذه الأحاديث حال المسافر في زماننا هذا، وأنه لا يجد من المشقة في سفره من أقصى الأرض إلى أقصاها، إلا ما يجده المنتَقِل من بلد إلى بلد آخر في نفس الإقليم، فإنا نستطيع القول بأن الأفضل للمسافر في أيامنا هذه هو الصوم في السفر، أيًّا كانت المسافة التي يسافر إليها، وأيًّا كانت وسيلة سفره.

والله أعلم .