السؤال:

جلس الإمام للتشهد الأخير فقال احد المصلين "سبحان الله لم تكتمل الصلاة" فقام الإمام، وأتى بركعة وجلس للتشهد ثم سجود السهو وسلم. وبعد السلام أفاد بعض المصلين بأن الصلاة كانت مكتملة ولكنهم لم ينبهوا الإمام بذلك. السؤال: ما حكم صلاة من كان عارفا باكتمال الصلاة ولم ينبه الإمام، بل قام معه وأتى بركعة تعتبر خامسة له؟ وأيضا ما هو الحكم على الشخص الذي تسبب في ذلك وهو يظن  أن الصلاة لم تكتمل بل كان مصرا على رأيه أن الصلاة لم تكتمل. وما مدى صحة طريقة التنبيه بقول " الصلاة لم تكتمل" أفيدونا، جزاكم الله خيرا.  

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

إذا احتاج الإمام إلى تنبيه استحب للمأمومين أن ينبهوه بالتسبيح، فإذا لم يفهم بالتسبيح فقد أجاز بعض الفقهاء كالمالكية أن يفهموه بالكلام.

والمأموم الذي ظن أن الصلاة لم تكتمل أدى ما عليه لتيقنه من ذلك، وإن كان ظنه خلاف الحقيقة.

أما الإمام فإذا كان متيقنا من أنه أتم صلاته فلا يلزمه النزول على قول المأموم ما دام أنه متيقن من ذلك، بل يجب عليه عدم متابعة كلامه .

وكذلك المأمومون لا يجوز لهم أن يتابعوا الإمام إذا كانوا متأكدين من ظنهم، وبعد هذا نقول:-

ما الذي دعا الإمام إلى القيام طالما أنه كان متأكدا، لا شك أن تنبيه هذا المأموم له أحدث عنده نوعا من الشك، فيكون قد قام بسبب هذا، وعليه فلا تبطل صلاته إلا إذا كان متأكدا وقام بالرغم من ذلك لسبب آخر فإن صلاته تكون باطلة.

أما المأمومن فمن  قام لشكه في الأمر فلا شيء عليه، ومن قام برغم تأكده من تمام الصلاة فقد أخطا غير أننا –هنا- نأخذ برأي من لم ير بطلان صلاتهم إذا كانوا يجهلون الحكم، أما من كان يعلم بالحكم فقد بطلت صلاته.

قال ابن قدامة في المعني:-

إذا سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه , لزم المأمومين تنبيهه , فإن كانوا رجالا سبحوا به , وإن كانوا نساء صفقن ببطون أكفهن على ظهور الأخرى.

فإذا سبح به اثنان يثق بقولهما , لزمه قبوله , والرجوع إليه , سواء غلب على ظنه صوابهما أو خلافه ،وقال الشافعي : إن غلب على ظنه خطؤهما لم يعمل بقولهما ; لأن من شك في فعل نفسه لم يعمل بقول غيره , كالحاكم إذا نسي حكما حكم به , فشهد به شاهدان وهو لا يذكره .

ولنا : { أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى قول أبي بكر , وعمر رضي الله عنهما , في حديث ذي اليدين , لما سألهما : أحق ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : نعم } . مع أنه كان شاكا , بدليل أنه أنكر ما قاله ذو اليدين , وسألهما عن صحة قوله , وهذا دليل على شكه .

وإن كان الإمام على يقين من صوابه , وخطإ المأمومين , لم يجز له متابعتهم . وقال أبو الخطاب : يلزمه الرجوع إلى قولهم , كالحاكم يحكم بالشاهدين . ويترك يقين نفسه . وليس بصحيح ; فإنه يعلم خطأهم فلا يتبعهم في الخطأ . وكذا نقول في الشاهدين : متى علم الحاكم كذبهما لم يجز له الحكم بقولهما ؛ لأنه يعلم أنهما شاهدا زور , فلا يحل له الحكم بقول الزور , وإنما اعتبرت العدالة في الشهادة ليغلب على الظن صدق الشهود , وردت شهادة غيرهم ; لأنه لا يعلم صدقهم , فمع يقين العلم بالكذب أولى أن لا يقبل .

وإذا ثبت هذا , فإنه إذا سبح به المأمومون فلم يرجع , في موضع يلزمه الرجوع , بطلت صلاته . نص  عليه أحمد وليس للمأمومين اتباعه , فإن اتبعوه لم يخل من أن يكونوا عالمين بتحريم ذلك , أو جاهلين به , فإن كانوا عالمين بطلت صلاتهم ; لأنهم تركوا الواجب عمدا .

وقال القاضي : في هذا ثلاث روايات :-

إحداها : أنه لا يجوز لهم متابعته , ولا يلزمهم انتظاره , إن كان نسيانه في زيادة يأتي بها , وإن فارقوه وسلموا صحت صلاتهم . وهذا اختيار الخلال.

والثانية : يتابعونه في القيام , استحسانا .

والثالثة : لا يتابعونه , ولا يسلمون قبله , لكن ينتظرونه ليسلم بهم . وهو اختيار ابن حامد . والأول أولى ; لأن الإمام مخطئ في ترك متابعتهم , فلا يجوز اتباعه على الخطأ .

الحال الثاني : إن تابعوه جهلا بتحريم ذلك , فإن صلاتهم صحيحة ; لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه في التسليم في حديث ذي اليدين , وفي الخامسة في حديث ابن مسعود , فلم تبطل صلاتهم . وروى الأثرم بإسناده عن الزبير , أنه صلى صلاة العصر , فلما سلم قال له رجل من القوم : يا أبا عبد الله إنك صليت ركعات ثلاثا . قال أكذاك ؟ قالوا : نعم . فرجع فصلى ركعة , ثم سجد سجدتين وعن إبراهيم , قال صلى بنا علقمة الظهر خمسا , فلما سلم قال القوم : يا أبا شبل , قد صليت خمسا . قال : كلا , ما فعلت قالوا : بلى . قال : وكنت في ناحية القوم وأنا غلام , فقلت : بلى قد صليت خمسا . قال لي : يا أعور , وأنت تقول ذلك أيضا ؟ قلت : نعم . فسجد سجدتين . فلم يأمروا من وراءهم بالإعادة فدل على أن صلاتهم لم تبطل بمتابعتهم .

فإن سبح بالإمام واحد لم يرجع إلى قوله , إلا أن يغلب على ظنه صدقه , فيعمل بغالب ظنه , لا بتسبيحه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل قول ذي اليدين وحده , فإن سبح فساق لم يرجع إلى قولهم ; لأن قولهم غير مقبول في أحكام الشرع . وإن افترق المأمومون طائفتين , وافقه قوم وخالفه آخرون , سقط قولهم ; لتعارضهم , كالبينتين إذا تعارضتا . ومتى لم يرجع , وكان المأموم على يقين من خطأ الإمام , لم يتابعه في أفعال الصلاة , وليس هذا منها . وينبغي أن ينتظره هاهنا , لأن صلاة الإمام , صحيحة , لم تفسد بزيادة , فينتظره كما ينتظر الإمام المأمومين في صلاة الخوف .

والله أعلم.