السؤال:

ما حُكْم الدِّين في استعمال الماء الفائض من اغتسال المرأة في الوضوء أو الاغتسال من الجَنَابة؟

الجواب:

روى أحمد وأصحاب السُّنن الأربعة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن يتوضأ الرجل بفَضْلِ طهُور المرأة.
وروى مسلم وأحمد أنه كان يغتِسل بفضْل مَيْمُونة ، وفي رواية لأحمد وابن ماجه أنه توضأ بفضل غُسْلِها من الجنابة.
وروى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح: “أنَّ بعض أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اغْتَسَلت في جَفْنَة ـ إناء كبير ـ فجاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليتوضأ منها ـ يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جُنبًا فقال “إن الماء لا يجنب”.
وفي هذه الأحاديث تضارب في الظاهر بعضها ينهى عن التطهُّر بفضل طهور المرأة وبعضها يُجيزه.
وبعيدًا عن الترجيح بين الروايات من جِهة السَّند، أقول: إن التطهُّر بفضْل الماء الذي تطهَّر به الغيْر يُطلق على معنيين:
الأول: التطهُّر بالماء الذي استُعْمِل قبل ذلك في التطهُّر.
الثاني: التطهُّر بالماء الباقي من كمية الماء الذي سبق التطهُّر ببعضه ، ويصور بأن كمية من الماء في جَفْنَة أو إناء مثلاً أخذَ واحد منها بعضًا وتطهر به وبقي في الإناء بعض آخر دون استعمالٍ له.
أما بالنسبة للإطلاق الأول: فالماء الذي استُعْمِلَ من قبل في الطهارة لا يجوز التطهُّر به في إزالة نجاسة أو وضوء أو غُسل، وهو ما عليه جمهور الفقهاء، وإن كان هو طاهرًا في نفسه لا يتنجس ما يصيبه، وأجاز مالك في رواية عنه جواز استعماله مرة أخرى في الطهارة.
وبالنسبة للإطلاق الثاني: يجوز التطهُّر بالماء الباقي في الإناء بعد أن أخذ منه شخص بعضه وتطهَّر به؛ لأن الماء الباقي لا يجنب، كما صرَّح به الحديث الأخير أي لا يصير جُنُبًا.
وبهذا التوضيح يُمْكِن الجمع بين الأحاديث الناهية عن التطهُّر بفضل الماء والأحاديث المُجِيزة له.
وهذا ما قام به الخطابي وذكره الشوكاني في “نيل الأوطار” ج 1 ص 37 ونص عبارته “وقد جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النَّهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مُستعملاً، والجواز على ما بقي من الماء”.
وينبغي ألا تُحْمَل أحاديث النَّهي على احتقار المرأة، التي تطهَّرت بماء فلا يجوز التطهُّر بفضله، فذلك شامل للرجال والنساء ، غاية الأمر أن الحادثة التي وردت فيها الأحاديث كانت بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزوجاته.
وخلاصة الحُكم أن الماء الذي استعمل مرة في الطهارة برفع الحَدث الأصغر بالوضوء أو الحدث الأكبر بالغُسل لا يجوز استعماله مرة أخرى في الطهارة، وهو ما عليه جمهور الفقهاء، وأجازه مالك في رواية، أما الماء الباقي بعد التطهُّر فيجوز التطهُّر به مرة أخرى ما دام باقيًا على طهوريته.