السؤال:

ما حكم المعاملة مع البنوك التقليدية في وجود البنوك الإسلامية والمصرف الإسلامي؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

البنوك الإسلامية أو فروع المعاملات الإسلامية لبنوك حكومية أو خاصة، على اعتبار أنها تعلن قيامها بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية، وأن لها لجانا من أهل الفتوى يقومون بمراجعة هذه الأعمال وإجازتها وفق الضوابط الشرعية، من هذا الباب يعتبر وضع المال في هذه البنوك جائزا.

ولكن ربما يطمئن القلب إلى البنك الذي ليس له فرع يعمل بطريق الربا وفرع آخر يعمل بطريق الفروع الإسلامية، ونشير أيضًا إلى أن مثل هذه البنوك جميعها لا يمكن أن تخلو من الشائبة؛ لأن القانون يلزمها أن تضع جزءًا من مالها في البنك المركزي بنسبة مئوية ثابتة، لكن بلا شك أنها أفضل من غيرها وأكثر طهارة، حتى يمكّن الله الأمة من أن تعود كاملة إلى تطبيق شريعته.

أما عن ثبات الربح في البنوك الإسلامية فالفوائد التي تعطيها البنوك التقليدية الربوية ربا حرام سواء أكانت متغيرة أم ثابتة، فالحرمة ليست في ثباتها فقط، ولكن الحرمة في طبيعة العقد الذي بين البنك وبين أصحاب الأموال، فهو عقد قرض في البنوك التقليدية، والقرض الذي يجر نفعا هو قرض ربوي، أما العلاقة بين البنوك الإسلامية وبين أصحاب الأموال فهي علاقة استثمار من نوع المضاربة، والمضاربة أحد أنواع الشركات التي تعطي جزءا من الربح لكل طرف من أطرافها، والربح في البنوك الإسلامية غير محدد، لأن الربح نسبة من الربح المجهول الذي لا يعرف إلا بعد وقوعه على أرض الواقع، ويتم اشتراط نسبة منه لكل طرف كالعشر أو السدس، ولا يعرف قيمة العشر أو السدس إلا بعد تحقق الربح الفعلي على أرض الواقع.

وقد يشعر المستثمر مع البنك الإسلامي أنه يحصل على ربح ثابت دون تغيير فيظن أن هذا من الربا، والحق أن هذا خطأ، فإن المهم هو طبيعة العقد مع البنك حين الاستثمار هل هو وديعة بنسبة ثابتة من رأس المال، أو حتى متغيرة من رأس المال فهذا ربا لا شك فيه.
والجائز أن يكون للمستثمر نسبة من الربح المجهول كأن يكون 5% من الربح مثلا، وحتى إذا شعر المستثمر أن ما يحصل عليه ثابت فإن هذا لا يجعله حراما.
والسبب في أن النسبة تكاد تكون ثابتة في البنوك الإسلامية راجع إلى أمرين في الحقيقة :
الأمر الأول : هو أن بعض البنوك الإسلامية لا تحدد مع المستثمر نسبته من الربح إلا في آخر الدورة، وتكون الإدارة قد قررت أن لا تعطي إلا خمسة جنيهات مثلا على الألف، فتنظر كم تساوي الخمسة من مجموع الربح فإذا خرج 3% مثلا فإنها تتفق مع المستثمر على أن نسبته 3% من الربح في آخر الدورة، وهذا خطأ شرعي طالما نبه عليه علماء الشرع، ونصحوا البنوك الإسلامية التي تنتهجه أن تتوقف عنه.
الأمر الثاني : هو أن البنك الإسلامي يحاول أن يكون ما يوزعه من الربح متقاربا كل عام؛ لأنه يضع الزائد من الأرباح في مخصص مخاطر الاستثمار حتى لا يضر بالمستثمرين.
وعليه فالعبرة بطبيعة التعاقد مع البنك، وكيف كانت، ولا يطبق نظام المضاربة الإسلامية إلا البنوك الإسلامية فقط.
وإذا كنت تقصد بالمصرف الإسلامي الذي تعاملت معه (المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار) في مصر فاعلم أنه بنك إسلامي، ومعاملاته جائزة في الجملة.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي :

فإن التعامل مع البنوك الإسلامية حلال لا شك فيه، ومطلوب منا أن ندعمه، فمنذ زمن طويل كنا نحلم ببنك إسلامي، وكان يرد علينا أعداء الحل الإسلامي، قائلين : لا تحلموا هذا مستحيل، فلا دولة بلا اقتصاد، ولا اقتصاد بغير بنوك، ولا بنوك بغير ربا. ثم تحقق الحلم، وبتحققه يعيش المسلم مرتاح الضمير، ولذا قلنا بحل وضع الأموال في البنوك الإسلامية، حيث إن بها رقابة شرعية تشرف على هذه البنوك.

أما عن الفرق بين أن يكون المستثمر عرضة للربح والخسارة مع البنك، أو مضمون له ربحه من البنك؟
فالأول استثمار وهو قائم على الربح والخسارة، وهكذا تكون التجارة كما أحلها الله، أما الربح المضمون فهذا ظلم لأحد الطرفين، حيث يظل الطرف الأول – صاحب المال – دائمًا رابحًا، والطرف الآخر مظلوما إذ من الممكن أن يخسر، فيجبر على دفع المال المطلوب منه دائمًا، وهذا ربا محرم. وقد يربح البنك أكثر من المبلغ المتفق عليه وعندئذ يكون ظلمًا لصاحب المال، وهذا كله أكل لأموال الناس بالباطل.
وجاء في فتاوى المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي :

يجب على المسلمين كافة أن ينتهوا عما نهى الله تعالى عنه من التعامل بالربا، أخذًا أو عطاءًا، والمعاونة عليه بأي صورة من الصور، حتى لا يحل بهم عذاب الله، ولا يأذنوا بحرب من الله ورسوله.

وينظر المجلس بعين الارتياح والرضا إلى قيام المصارف الإسلامية، التي هي البديل الشرعي للمصارف الربوية ويعني بالمصارف الإسلامية كل مصرف ينص نظامه الأساسي على وجوب الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء في جميع معاملاته ويُلزم إدارته بوجوب وجود رقابة شرعية مُلزمة. ويدعو المجلس المسلمين في كل مكان إلى مساندة هذه المصارف وشد أزرها، وعدم الاستماع إلى الإشاعات المغرضة التي تحاول أن تشوش عليها، وتشوه صورتها بغير حق.
ويرى المجلس ضرورة التوسع في إنشاء هذه المصارف في كل أقطار الإسلام، وحيثما وُجِدَ للمسلمين تجمعًا خارج أقطاره، حتى تتكون من هذه المصارف شبكة قوية تهيئ لاقتصاد إسلامي متكامل.
ثالثا : يحرم على كل مسلم يتيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل أو الخارج، إذ لاعذر له في التعامل معها بعد وجود البديل الإسلامي . ويجب عليه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب، ويستغني بالحلال عن الحرام.

ويقول الدكتور مصطفى الزرقاء -من كبار علماء سوريا- :

إن الإيداع في البنوك الربوية كنا نجيزه لاضطرار الناس إليه، إذ لا يمكن إلزام الناس بأن يخبئوا وفر نقودهم في بيوتهم؛ لما في ذلك من محاذير ومخاوف معروفة، ولم يكن يوجد طريق آخر لحفظ أموالهم سوى الإيداع في البنوك.
لكن بعد قيام البنوك الإسلامية، ودُور الاستثمار الإسلامية في مختلف البلاد العربية والإسلامية زالت الضرورة فلا أرى جواز الإيداع في البنوك الربوية لما فيه من تقوية لها على المراباة.

والله أعلم.